في سوريا، تناغم الإنتاج الزراعي مع الصناعة، فوُلدت معامل “الكونسروة” لتكون ركيزة الصناعات الغذائية الأساسية، مع العديد من المجالات الأخرى. كانت المعامل، إضافة لكونها خطوط إنتاج، جزءاً من حلمٍ صناعي يسعى للاكتفاء الذاتي، ويطمح للقدرة على المنافسة.
سرعان ما عصفت التحديات، وظهرت العقبات في وجه هذا الحلم، وتحدياته لم تتوقف فقط عند الظروف الاقتصادية أو الحصار المفروض، بل نبتت هذه العقبات من الداخل. فتوقفت بعض معامل الكونسروة، لا لنقص الكفاءة، أو لعجز تقني، أو لانعدام الفكر التطويري الصناعي، بل أوقفها جشع النفوس وقرارات أغلقت تلك المعامل في وجه عمالها.
هذه القرارات الكارثية الطماعة، ذبحت أرزاق الناس، وتركتهم لمصير مجهول، وبددت أحلامهم، وأضاعت عليهم فرصة النهضة الزراعية_ الصناعية المتكاملة، لمآرب شخصية وضيعة. تحولت على إثرها “الكونسروة” من أمل مقرون بعمل دؤوب، إلى شاهد مفجوع وصامت أمام الجشع الذي أوقف عجلة الإنتاج، وترك فراغاً موحشاً في السوق، لم تستطع كل أشكال الطمع أن تملأه.
سنتعرف في هذا المقال على ماهية معامل الكونسروة وأين تتوزع.. ومن له مصلحة بإغلاق معمل مدينة جبلة في الساحل السوري؟ ما معوقات هذه المعامل وما الحلول.
معامل الكونسروة في سوريا.. ما هي وأين تتوزع؟
معامل الكونسروة عبارة عن مصانع متخصصة في صناعة وحفظ الأغذية على شكل معلبات مختلفة، أصل هذه الكلمة يعود للغة الفرنسية وتعني الحفظ أو الصون، ومنها اشتق لفظ الأغذية المحفوظة. أساس عمل هذه المعامل قائم على استقبال المواد الأولية مثل الخضار والفاكهة، ثم القيام بفرزها وتنظيفها جيداً قبل معالجتها حرارياً بطرق متنوعة منها: الطيخ، العصر، السلق.
ليتم بعدها تعبئتها في أسطوانات معدنية أو عبوات زجاجية مُحكمة الإغلاق لضمان المنتج من أي تلوث ميكروبي، ولأجل ذلك تُجرى عملية التعقيم الحراري للعبوات، ثم تخزن لتوزع لاحقاً في الأسواق. أبرز منتجات هذه المعامل: معجون الطماطم، الخضار والفاكهة المعلبة، العصائر، المُرَبيات، وفي بعض الأحيان الأسماك واللحوم.
الهدف من التغليف في هذه المعامل حفظ الأغذية لفترات طويلة بصلاحية جيدة للاستهلاك البشري، إلى جانب تسهيل تداولها وتوفرها على مدار العام.
توجد معامل كونسروة متنوعة في سوريا، منها ما هو تابع للمؤسسات الحكومية مثل الشركة الحديثة للكونسروة والصناعات الزراعية (كونسروة دمشق)، ومنها معامل خاصة تتركز في مناطق مثل درعا والغوطة الشرقية، وتختص بإنتاج معجون الطماطم، الفول، البازلاء، الفواكه المعلبة، وغيرها من المنتجات التي تلبي السوق المحلية وتُصدّر للخارج.
نذكر من المعامل: الشركة الحديثة للكونسروة والصناعات الزراعية (كونسروة دمشق) تنتج جميع أنواع المعلبات مثل رب البندورة، الحبوب، المربيات، والحلاوة الطحينية، شركات القطاع الخاص في الغوطة الشرقية منها الدرة، الأحلام، والغوطة، التي تختص بتصنيع المعلبات والمجففات من الفول، البازلاء، البندورة، الفواكه المجففة، والكوسا، بهدف التصدير. معامل محافظة درعا تركز على إنتاج معجون البندورة الذي يتميز بجودته العالية ويُقبل عليه السوق المحلي والعالمي، ويبلغ عدد معاملها المرخصة 48 معملاً تبدأ بالعمل خلال موسم المحصول.
اقرأ أيضاً: هل نعود لسماع هَدير آلات النسيج.. من بعد الخسارة الفادحة هل من نهوض؟
لمصلحة من أغلق كونسروة جبلة وكونسروة مزيريب في درعا؟
في عام 2004 سحب البساط من تحت أحد أعمدة الاقتصاد المحلي في سوريا، بأيدٍ جشعة همها إشباع جيوب أصحابها حتى على حساب اقتصاد الوطن. صدر القرار عام 2004 بإيقاف وإغلاق معمل كونسروة الساحل الكائن في مدينة جبلة بحجج واهية لم يسمح حتى للتقارير الإعلامية بذكرها بعد أن أحرقوا مستودعه وتسببوا بخسارته، ونقلوا عامليه إلى مؤسسة التبغ “الريجي” وغيرها من القطاعات الأخرى.
خُلّصَ الساحل من معمله الذي كان ركيزة اقتصادية تصّنع ما يعجز القطاع الخاص عن تصنيعه، وكانت منتجاته داعمه للأسواق وللمواطن على حد سواء، فوّفر هذا المعمل حتى إغلاقه العديد من فرص العمل لسكان المنطقة التي تعتمد على الزراعة لتكسب قوت يومها.
يرّجح أن إغلاق معمل الكونسروة في جبلة تم نزولاً عند رغبة بعض المستوردين والتجار الكبار الذين يعتمدون على استيراد المعلبات والمنتجات الغذائية من الخارج. فتوقف هذا المعمل يفتح المجال أمام منتجاتهم المستوردة لتسيطر على السوق المحلي بأسعار أعلى وربحية أكبر متجاهلين الجودة والفائدة العائدة على السوق والمواطنين.
كما أن بعض الوسطاء والسماسرة الذين يستفيدون من عمليات الاستيراد والتوزيع يجدون في ضعف الصناعة المحلية فرصة لتوسيع نشاطهم التجاري غير مبالين بإفقار الساحل والاقتصاد الوطني. لابدّ لبعض المتنفذين أن يطلوا برأسهم ممن يملكون استثمارات في قطاعات بديلة أو مرتبطة بالاستيراد، فكان لهم مصلحة في إضعاف هذه المعامل، لأنها تشكل منافساً للمنتجات المستوردة من قبلهم وتحدّ من هيمنة شبكات الاستيراد التي يديرونها على السوق السورية.
لم تكن شركة كونسروة “مزيريب” في درعا ببعيدة عن ما حصل في الساحل في معمل جبلة، إذ كانت من شركات القطاع العام الرائدة في القطر، وكانت تشتري محاصيل الفلاحين مثل: البندورة، والفول، والبازلاء، في أوقات ذروة الإنتاج بأسعار مناسبة للفلاحين وتقوم بتعليبها وطرحها في السوق للمستهلكين بجودة وأسعار منافسة.
مع مرور الزمن عمل متنفذي وأزلام النظام السابق على تدمير وإفشال هذه المنشأة بشكل ممنهج كما فعلوا في الساحل، حتى أوصلوها لمرحلة الخسارة لتكون حجة للإغلاق وذريعة لتسريح ونقل العديد من العاملين فيها إلى دوائر أخرى.
أغلق المعمل في عام 2000، وأفاد أحد المزارعين في منطقة “طفس” في درعا لأحد وسائل الإعلام المحلية، أن معمل الكونسروة كان وجهة الفلاحين وملاذهم في تسويق إنتاجهم من البندورة والفول، إذ كان المعمل الوحيد في المنطقة الجنوبية، ولم تكن هناك معامل كونسروة خاصة لتوريد المحصول إليها، وفي ذروة موسم البندورة الذي تشتهر به المحافظة وغزارة الإنتاج، كان المعمل يستجر المحصول من الفلاحين بأسعار مناسبة.
اقرأ أيضاً: التبغ “ذهب الساحل” بين رياح الأزمات وأوتاد الخصخصة .. هل من مُستقر؟
أزمات معامل الكونسروة.. في سوريا وما التحديات
تصاعدت شكاوى مزارعي البندورة في درعا، مفيدين أن أصحاب معامل الكونسروة يستغلون غزارة الإنتاج، واستواء حبات البندورة جراء حرارة الصيف ويدفعون أسعاراً متدنية جداً لا تتواكب مع تكاليف الإنتاج، وفي هذه الحالة يضطر المزارع للبيع بخسارة، بينما يبيع أصحاب المعامل إنتاجهم بأسعار مربحة جداً، مطالبين بضرورة العمل على إنشاء مجمع للصناعات الغذائية في مقرّ معمل كونسروة “مزيريب”، لاستيعاب فائض الإنتاج والتدخل الإيجابي لمصلحة الفلاحين عبر التنافسية مع المعامل الحالية.
بالمقابل أصحاب المعامل ردّوا على المزارعين مبررين ارتفاع التكاليف، بأن المتابع لأسعار دبس البندورة يلاحظ ارتفاعاً في أسعاره هذا الموسم، إذ وصل سعر الكيلو الواحد إلى 12 ألف ليرة وسطياً، مرتفعاً بشكل ملحوظ عن أسعار المواسم الماضية وبنسبة بلغت 100 بالمئة، وعزا عدد من أصحاب معامل الكونسروة هذا الارتفاع إلى جملة من الأسباب، أبرزها ارتفاع أسعار محصول البندورة هذا الموسم، مضافاً إليه تضاعف فاتورة تكاليف الإنتاج وأبرزها المحروقات وأجور النقل والعمالة.
ومن التحديات التي تعترض طريق تلك المعامل، فاتورة المحروقات والكهرباء اللازمة للتشغيل أصبحت عالية بسبب تحرير أسعار المحروقات، وتقنين الكهرباء المستمر وانقطاعها لساعات طويلة، ما يضطر لتشغيل محركات الديزل لمواصلة العمل، إلى جانب أجور النقل والعمال التي ضغطت أصحاب المعامل، ما دفعهم لتخفيض إنتاجهم والعمل بالحد الأدنى وبوردية واحدة أو ورديتين والاقتصار في الإنتاج على تأمين الطلبات لزبائنهم فقط.
وفي معامل دمشق تَحضر ذات المعوقات، إلى جانب أن السبب الرئيسي وراء انخفاض الانتاج يعود إلى توقف أكثر من نصف معامل الكونسروة عن العمل، بسبب أزمة نقص المحروقات.
كل تلك العوامل انعكست على سوق الاستهلاك، زادت الكميات المتاحة في السوق، مما أدى بشكل مباشر إلى الضغط على الأسعار. اتضّح المشكلة لا تكمن في توفر الكميات، بل في الانخفاض الكبير في الأسعار الناجم عن توقف جزئي للمعامل.
في سياق متصل، نُفيت بعض الشائعات التي تتحدث عن توقف عمليات التصدير، فوفق تقارير يصدر حوالي خمس شاحنات مبردة بشكل يومي محملة بالبندورة إلى دول الخليج، باستثناء السعودية. أما على مستوى الأسعار بسوق الهال، فتتراوح بين 1000 ليرة سورية للنوع الجيد و2000 ليرة للنوع الممتاز، مع وجود أصناف أخرى تُباع بأسعار أقل قد تصل إلى 800 ليرة سورية.
من جملة ما تقدم نستطيع استخلاص المعوقات التي تعترض عمل تلك المعامل تباعاً، لندرسها ونقترح حلولاً مقاربة للمنطق والواقع المفروض. لوحظ أن معامل الكونسروة في سوريا تعاني من مجموعة كبيرة من التحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية، مثل الطماطم والسكر والزيوت، إضافة إلى تكاليف الطاقة والكهرباء والوقود.
صعوبة تسويق المنتجات تبعاً لضعف القدرة الشرائية للمستهلكين وغياب آليات دعم التصدير بشكل فعال. وما زالت البيروقراطية ترخي بظلالها على المشهد ما يشكل صعوبة في الحصول على التراخيص والتمويل المصرفي، إلى جانب التنافس غير العادل مع المنتجات المستوردة التي تدخل للأسواق بأسعار أقل نتيجة التهريب أو ضعف الرقابة الجمركية. إضافةً إلى التحدي الأبرز الكامن في تقادم الآلات وضعف البنية التحتية بسبب سنوات الصراع والحصار الذي كان مفروضاً على البلاد، إلى جانب نقص العمالة الماهرة وهجرة اليد العاملة إلى الخارج.
اقرأ أيضاً: تطلّعات السوريين الاقتصادية بعد التغيير: ما هي أولويات المرحلة الجديدة؟
الحلول المقترحة لعودة عجلة المعامل وإقلاعها من جديد
لا يمكن النهوض بأي مفصل صناعي إنتاجي في البلاد دون توفير دعم حكومي مباشر لهذه الصناعة من خلال، توفير الكهرباء والوقود بأسعار مدعومة وتقديم تسهيلات للحصول على المواد الأولية بأسعار مناسبة ترضي جميع الأطراف.
إذا لم نستطع الوقاية من العقبات فلا نستطيع تجاوزها، بناءً عليه يجب وضع سياسات “حماية” تحد من إغراق السوق بالمنتجات المستوردة التي تشكل التهديد الأكبر للمنتج الوطني، مع تشجيع التصدير من خلال تسهيلات جمركية وحوافز ضريبية.
ضمن سياق الحلول التي يمكن العمل بها وبعد رفع العقوبات عن البلاد، يجب الاتجاه لتحديث خطوط الإنتاج عبر قروض ميسرة وتسهيل إدخال الآلات الحديثة، إلى جانب تدريب الكوادر الفنية لتطوير مستوى العمالة المحلية وتعويض نقص العمالة التي هاجرت لخارج البلاد.
دعم فكرة إنشاء تعاونيات ما بين المزارعين والمعامل، الهدف منها توفير المواد الخام بجودة وأسعار مستقرة، وكل ذلك لا يثمر دون تفعيل دور الرقابة على الأسواق وتحقيق التكامل بين السياسات الزراعية والصناعية ما يسهم في تطوير صناعة الكونسروة في سوريا وإنقاذها من الانهيار.
ختاماً، يجب انقاذ معامل الكونسروة في سوريا من المعيقات والتحديات التي تضييق عليها، فخسارة هكذا قطاع حيوي يعني خسارة كبيرة وقاسية لاقتصاد البلاد، فالكونسروة تجسيد حي لتوأمة الزراعة والصناعة وقدرتهما على الرفع من الشأن الاقتصادي والمعيشي للبلاد، فيجب وضع سياسة استراتيجية دقيقة قائمة على دعم المزارع والمعامل والمستهلك على حدٍ سواء.