بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
وفق ابجديات السياسة تأتي القوة الناعمة كنوع من سياسة التأثير والجذب والإقناع لتحقيق أهدافها السياسية دون اللجوء للإكراه العسكري أو الاقتصادي ومن هنا يأتي السؤال الدقيق والمحوري في معركة ال”38″ يوماً بين أمريكا واسرائيل من جهة وايران واذرعها في لبنان والعراق واليمن من جهة اخرى ، من هو “الرابح والخاسر” في هذه المعركة التي نتج عنها هدنة الأسبوعين وقد لا يُقاس التقييم بمن انتصر عسكرياً، بل بمن كسب وقتاً أو غيّرَ ميزان التفاوض وبين من انتصر تكتيكياً ومن انتصر عسكرياً وسياسياً ولابد من الاجابة على هذا السؤال وفق الاتي:
أولاً: من الرابح الأكبر؟
1. إيران (رابح تكتيكي) من خلال حصولها على وقف فوري للضربات التي أعلن عنها الرئيس ترامب والتي كادت ان تدخل حيز التنفيذ وتنهي امبراطورية وحضارة ايران ، الامر الذي دفع بايران الموافقة على الهدنة التي ساقتها جهود اسلام اباد من أجل تفويت الضربة القاضية عليها وكذلك كسب الوقت لإعادة ترتيب الدفاعات والمنشآت وتخفيف الضغط الداخلي والاقتصادي
لكي تُظهر نفسها أنها صمدت أمام الضغط لكنها ليست رابحاً استراتيجياً كاملاً كونها ما زالت تحت التهديد وهي ايضا فرصة لتحقيق نصر اعلامي لتهدئة الشارع الايراني المتربص بسقوط النظام
2. الولايات المتحدة (رابح سياسي-عسكري) وهذا ما جعلها ان تثبت قدرتها على فرض شروط أو إيقاف التصعيد لتتجنب حرب طويلة ومكلفة وللمحافظة على قواتها في المنطقة دون توسع النزاع ، مايعني انها ربحت “إدارة الأزمة” أكثر من حسمها.
3. دول الخليج (رابح أمني مؤقت) تجلى بانخفاض خطر استهداف الطاقة والمنشآت واستقرار نسبي بأسعار النفط
وتجنب الانزلاق لحرب مباشرة.
ثانياً: من الخاسر الأكبر؟
1. الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء لايران تعتبر (الخاسر الأوضح) حيث سيتم تقييد حركتها ضمن الهدنة الأمر الذي يفقدها زخم “المواجهة” وقد تتعرض لضغوط قاسية لعدم التصعيد كما يحصل الان في لبنان التي تشهد اليوم غارات عنيفة لم تشهدها من قبل ضد حزب الله اللباني ، الغاية منها فصل حزب الله اللبناني عن ايران ، كون هذه الأطراف تعيش على التصعيد، وان الهدنة تضرب دورها.
2. إسرائيل (خسارة نسبية (غير مباشرة) لانها كانت تسعى لتصعيد أكبر ضد إيران مايجعل الهدنة تعني تجميد أي ضربة واسعة حالياً لكنها ستعمل لجر ايران للحرب مرة أخرى من خلال ضرب اذرعها في المنطقة .
3. العراق (خاسر محتمل وهش) كونه يبقى ساحة تصفية حسابات تحت ضغط بين أمريكا والفصائل وان أي خرق للهدنة قد يبدأ من أراضيه ، بمعنى ادق ليس خاسراً فورياً، لكن الأكثر عرضة للارتدادوعلينا أن لاننسى ماقامت به الفصائل المسلحة الولائية بمهاجمة القواعد العسكرية الامريكية وبعثتها الدبلوماسية وهذا لن يترك دون عقاب شديد ، يضاف الى ذلك استهدافها العمق الاسرائيلي واستهداف دول الخليج العربي والمملكة الاردنية الهاشمية وكذلك الاستهداف الممنهج لاقليم كوردستان.
وهنا لابد من وضع التقييم الحقيقي بمعادلة الرابح الأكبر فعلياً وتقاسم واشنطن وطهران هذا الربح على اعتبار ، ان أمريكا حققت الغاية المنشودة من هذه الحرب باغتيال المرشد الايراني وكبار قادة النظام على المستويين “العسكري والسياسي” وانها جعلت العالم بأجمعة يحبس انفاسه من التهديد الاخير بمحو ايران ، أما من جهة ايران فاننا نجد ان ربحت المعركة من خلال تفويت الفرصة على ترامب بتنفيذ تهديده وكذلك تحكمها بمضيق هرمز وضرب دول الخليج العربي واسرائيل.
يبقى ان نقول ان الخاسر الأكبر هي الأطراف غير المنضبطة (الفصائل المسلحة ) و”الاستقرار الهش” في بعض الدول مثل العراق باعتباره نقطة مهمة جداً في هذه المواجهة لاننا أمام هدنة وليست نهاية حرب قد تتغللها جولة ثانية محتملة على المستويين “عسكرياً وسياسياً” يمكن وصفها بالنار التي ترقد تحت الرماد.
النتائج والتوقعات من حيث صلابة الهدنة وهشاشتها
1. العراق سيكون على حافة التأثر بأي انفجار قادم ، خصوصاً اذا قامت أمريكا واسرائيل بمعاقبة الفصائل الولائية على دورها بمساندة ايران في المعركة وهذا مايجري الاعداد له وايقاعها في فخ خرق الهدنة كونها ليست دائماً منضبطة 100% بقرار مركزي
وتعتمد على التصعيد لإثبات وجودها وقد ترى أن الهدنة “تقييد لها” ويتمثل الخرق أحياناً باطلاق (صاروخ او مسيرة) وقد يحدث
إما بقرار او “خطأ محسوب” يبدا بشرارة صغيرة قد تشعل التصعيد من جديد
2. اذا شعرت إسرائيل ان إيران تستغل الهدنة لإعادة بناء قدراتها أو أن التهدئة تمنح طهران “نَفَس طويل” قد يجعلهاان تقوم بضربة استخبارية أو نوعية محدودة ، لكن غالباً لن تخرق الهدنة علناً، بل بطريقة غير مباشرة.
3. اما إيران فانها تفضّل الالتزام ظاهرياً وتستخدم الوكلاء بدل المواجهة المباشرة لكنها قد تخرق الهدنة إذا شعرت أن أمريكا لم تلتزم أو اذا تعرضت لضربة مفاجئة ولكن خرقها غالباً سيكون “غير مباشر”
4. أمريكا ستكون الاكثر رغبة بعدم خرق الهدنة وهي من تدفع نحو ضبط الإيقاع كونها لا تريد حرباً مفتوحة الآن ،لكنها قد ترد فوراً إذا قُتل احد جنودها أو تم استهداف قواعدها بشكل واضح فان ردها سيكون سريع وقاسي.
السيناريو الأخطر (كيف تنهار الهدنة؟)
الأكثر خطورة يتمثل بالفصائل المسلحة (لأنها الحلقة الأضعف في الانضباط) ويتجلى ذلك عندما يقوم فصيل باطلاق صاروخ على قاعدة أمريكية في العراق فان أمريكا سترد بضربة قوية ، مايجعل الفصائل تتوسع بالرد
ودخول إيران بشكل غير مباشر مايجعل الهدنة تنهار خلال ساعات وهذا السيناريو تاريخياً هو الأكثر تكراراً.
اما الخطر الصامت فهي إسرائيل من خلال قيامها بضربات غير معلنة ، اما إيران فانها تلتزم ظاهرياً وتناور بالخفاء على عكس أمريكا التي ستراقب الهدنة لكنها ستضرب بقوة إذا لزم الأمر وهذا ماسيجعل الهدنة القصيرة لا تنهار بقرار سياسي كبير وانما بسبب حادث صغير يتحول إلى تصعيد كبير قد لايحمد عقباه.