أخبار العالم

في سوريا بين “البَصم” والإبداع.. أين يقف التعليم السوري أمام التجربتين الإماراتية والأمريكية؟

في سوريا بين “البَصم” والإبداع.. أين يقف التعليم السوري أمام التجربتين الإماراتية والأمريكية؟

بقلم: ريم ريّا

شكل التعليم يختلف من بلد إلى آخر، كما يختلف في المضمون تبعاً للنهج التربوي والمواد المتاحة وأولويات كل دولة في مجال التعليم. في الوقت الذي تتجه فيه الأنظمة التعليمية في كل من أمريكا والإمارات إلى تطوير مهارات التفكير النقدي والاستعداد المتين للحياة الجامعية وثم سوق العمل، لا يزال التعليم في سوريا يعاني من فجوة واضحة بين المناهج ذات الطابع النظري ومتطلبات الواقع.

مع تعدد النماذج التربوية واختلاف مساراتها، يجد الطالب السوري نفسه أمام تحدٍ صعب في تحديد مستقبله الأكاديمي والمهني، في ظل غياب واضح للتوجيه الجامعي الفعال والبرامج التي تساعده على اختيار التخصص الذي يناسب قدراته وطموحاته. في هذا المقال سنجري مقارنة بين نظام التعليم في سوريا، وأنظمة التعليم في كل من أمريكا والإمارات، وسنحاول الخروج بتوصيات لرفع جودة التعليم في سوريا.

التعليم في سوريا والأنظمة التعليمية في كل من الإمارات وأمريكا

تختلف مراحل التعليم بين سوريا والإمارات وأمريكا، بدءاً من الابتدائية وصولاً إلى الاعدادية وحتى المرحلة الثانوية، والتي تتجلى فيها الفوارق بين الأنظمة التعليمية بأوضح صورة. سواء من حيث المناهج أو طريقة إعداد الطالب للمرحلة الجامعية.

في سوريا، ما تزال المناهج تتسم بالطابع التقليدي القديم إلى حدٍ كبير، تركز على الحفظ والاستظهار، وتقاس فيها كفاءة الطالب بقدرته على استرجاع المعلومات والنصوص تماماً كما وردت في الكتاب، والنموذج التعليمي في سوريا هو نموذج تلقيني أكثر منه تعليمي. أما من حيث الاهتمام بالطلاب وبالجانب النفسي، غالباً هذا الأمر في سوريا مهمل فأبسط حالات الاهمال تتجلى في ضغط الامتحانات النهائية لاسيما امتحانات الشهادة الثانوية التي يواجهها الطالب، وذلك لأنها الفيصل الوحيد لمستقبله الجامعي. ناهيك عن غياب البرامج الممنهجة التي تكشف ميول الطالب العلمية أو قدراته الفردية، كما أن مواد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لغة العصر الحديث لا تزال ضمن نطاق ضيق وتجريبي في البلاد، وهذا ما يتعارض مع المهارات المطلوبة في سوق العمل المعاصر.

أما الإمارات، فقد تبنت الدولة نموذج التعليم الحديث والقائم على الجمع ما بين المناهج العالمية والفكر والتوجه الوطني، يرتكز المنهج على التفكير  النقدي، والبحث، والتعلم القائم على المشاريع. فالطالب في دولة الإمارات لا يعامل كحافظة معلومات بل كمشارك في إنتاجها. كما أن مدارس الإمارات تولي اهتماماً كبيراً بالصحة النفسية والتهيئة المعرفية، فهناك وحدات إرشاد أكاديمية ونفسية ترافق الطالب منذ مراحل دراسته المبكرة وتساعده في بناء خطته الجامعية. كذلك تُدرس مفاهيم البرمجة والذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي في المناهج الحديثة ويطبقها الطالب في مشاريع واقعية.

بدورها أمريكا، يمثل فيها التعليم الثانوي المرحلة الأكثر مرونة وثراء معرفي، إذ يعتمد على نظام المقررات الاختيارية، ما يسمح للطالب بتصميم مساره الأكاديمي بحسب اهتمامه. كما تولي البلاد اهتماماً بالجانب النفسي للطالب كما المعرفي. فرحلة التعليم تربوية قبل أن تكون تعليمية، فالإرشاد النفسي جزء من منظومة التعليم في أميركا وليس خدمة إضافية.

مواد التكنولوجيا ليس مود منفصلة بل مدمجة في مختلف المواد الدراسية من الرياضيات وحتى الفنون، يتعلم الطالب الاميركي مهارات البرمجة والذكاء، فيصل إلى الجامعة وهو مدرب على البحث والتحليل واتخاذ القرار، بينما لا يزال الطالب السوري تائه يحاول فهم معنى “اختيار التخصص الجامعي” بعد انتهاء الامتحانات.

ليبقى السؤال: هل يعلم الطالب السوري “ماذا يفكر”، أم فقط “ماذا يجيب”؟ 

الجواب واضح في سوريا، دائماً ما يشعر الطالب السوري أن الخطأ جريمة معرفية وأنه ملزم دائماً بقول الإجابة الصحيحة، بينما في أنظمة التعليم الأخرى يُشجع الطالب ومنذ مراحل الدراسة الأولى على التعليم والنقاش وطرح الاسئلة والبحث، فيدخل الجامعة وهو معتاد على تحليل النصوص وفهمها، بينما الطالب السوري سقف طموحاته أن يعرف “ما يريد الدكتور في الامتحان”. فهل الغاية من التعليم في سوريا “النجاح” في الامتحان أم “القدرة على التعلم”!

اقرأ أيضاً: الجامعات الخاصة في سوريا… هل من جديد بعد تحديثات وزارة التعليم العالي؟

سوريا أمام تيه التخصص الجامعي.. والوضوح بالجانب الآخر

سباق الامتحانات ينهك كاهل الطالب السوري، إذ يقف الطالب في سوريا بعد إنهاء لمرحلة الثانوية أمام أكثر المراحل حساسية وحرج في مسيرته التعليمية “مرحلة القبول الجامعي”، إذ لا يملك القرار بشكل ٍ فعلي في تحديد مستقبله، فمصيره الأكاديمي تحدده العلامة وحدها. المعدل العام في الشهادة الثانوية هو المفتاح الوحيد لأبواب الجامعة، بغض النظر عن ميوله أو طموحه وحتى قدراته.

يغيب عن سوريا نظام القبول المرن والاختبارات المتنوعة، فيتحول الطالب السوري إلى رقم في سباق طويل تحكمه الدرجات لا الرغبات. حتى المفاضلة الجامعية تفرض على الطالب رغبات معينه، فتتحول حرية الاختيار إلى عمليات حسابيه تضع الحلم في كفه والدرجة في كفه أخرى.

هذا الواقع التائه للطالب السوري، ما هو إلا نتاج للمناهج السورية التي تقوم على الحفظ والتلقين وتقاس فيها القيمة العلمية بالنتيجة النهائية، وليس بنوعية التفكير أو مهارات التحليل، فيصل الطالب السوري إلى الجامعة منهك من سباق الدرجات، ويستعد لسباق درجات آخر.

على خلاف سوريا تتبع الإمارات نظام قبول جامعي أكثر مرونة وذكاء يعتمد على المزج بين المعدل الأكاديمي واختبارات القدرات والتقارير المدرسية وغيرها، ويملك الطالب الاماراتي حرية الاختيار. على غرار الإمارات، تطل أميركا بعملية قبول جامعي أقرب إلى التقييم الشامل لشخصية الطالب ومسيرته، فلا يتم التركيز على العلامات وحدها، بقدر ما يدرس سجل الأنشطة الصفية والمساهمة المجتمعية وغيرها، فهناك وعي تعليمي في أمريكا قائم على أن الذكاء لا يقاس بالدرجة  وحدها، والتفوق الأكاديمي لا يعني التفوق المهني.

ليطرح السؤال التالي: هل يتعامل المنهج السوري مع الطالب كفرد أم كرقم في قائمة؟

التعليم السوري ما زال يعتمد على نظام “الصف الموحد” وتغيب عنه الآليات التعليمية الحديثة القائمة على تبني محتوى يستهدف شخصية الطالب وتنميته الفردية. فلا ينبغي أن يتعلم الجميع الشيء نفسه بالطريقة نفسها كما هو الحال في سوريا، فهذا ما يحد الإبداع والتميز للطالب السوري تحديداً قبل مراحلة الجامعة. فالطالب السوري مجتهد لكنه متعب من سباق الدرجات الذي يوضع فيه من تعلم الأحرف الأولى، في المقابل الطالب الإماراتي والأمريكي لا يحفظ الكثير من المعلومات لكنه يعرف كيف يستخدمها.

“الإمارات وأمريكا” نموذجاً.. كيف ننهج بالتعليم في سوريا؟

التعليم السوري يحتاج “هزة عقل” وتغيير عقلية في التعامل مع الطالب وفي إعداد المناهج والمعلمين، في ضوء التجربتين التعليميتين في أميركا والإمارات هناك أربع جوانب يجب تطويرها في الواقع السوري، وهي على الشكل التالي:

أولاً: تطوير المناهج في مرحلة ما قبل الجامعة

تقوم هذه المرحلة على تحويل المناهج من التلقين إلى النقد الفكري القائم على التحليل والمشروعات، بدلاً من الحفظ الأعمى. أي التركيز على كيف تفكر وليس ماذا تحفظ. إلى جانب تنويع المسارات الدراسية في المرحلة الثانوية، وجعل المسارات العلمية والأدبية أكثر مرونة، ما يسمح للطالب باختيار ما يناسب ميوله وقدراته. فضلاً عن إدخال مواد مثل التفكير التصميمي، البرمجة، مهارات التواصل وغيرها من متطلبات العصر الرقمي.

ثانيا: تمكين حرية الطالب في الاختيار عند القبول الجامعي

استلهاماً من التجربة الأمريكية يمكن الاعتماد على نظام قبول جامعي قائم على الكفاءات لا المعدل فقط، ويستند إلى مقالات قبول أو يكون عن طريق اعتماد مقابلات شخصية، تشجيع التعليم المزدوج كأن يدرس الطالب فرع علمي مع فرع في الإدارة على سبيل المثال، أو أن تدمج الحوسبة بالرقمنة، هذا ما يصنع خريجين أكثر مرونة واستعداد لسوق العمل.

ثالثاً: تطوير المعلم والبنية التعليمية

يجب إعداد وتأهيل الكاهل التدريسي في البلاد، عبر الاستثمار في تدريب المعلمين على طرق التعليم التفاعلي لا الإلقاء الأحادي، كما الإمارات إذ يوجد فيها أكاديمية إعداد للمعلمين تقدم لهم شهادة معتمدة في هذا المجال. إلى جانب منح الجامعات حرية أكبر أكاديمياً وإدارياً في تحديث مناهجها وربطها بمجتمع العمل. دعم الجامعات وإنشاء حاضنات أعمال لها، إضافةً إلى تمويل المشاريع الطلابية.

رابعاً: بناء جسور من المدرسة وحتى سوق العمل

يتم بناء الجسور من المدرسة نحو سوق العمل عبر إنشاء نظام استشارات مهنية يعرّف الطلاب بمستقبل المهن، ومتطلباتها ومهاراتها، إلى جانب اعتماد برامج تدريب إلزامية قبل التخرج، بالتعاون مع القطاعين العام والخاص، كما في نظام الجامعات الأمريكية.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.