الكاتب: أحمد علي
لا يحتاج القارئ إلى مدفع من المصطلحات الاقتصادية ليشعر بأن جيبه صار أخف مما كان، ففاتورة البقالة ورسوم الخدمات تكفيان لإيضاح الفكرة.. حين تتبدّل الأرقام على الملصقات بسرعة أكبر من نمو الدخل، يبحث الناس تلقائياً عن ملاذات تحفظ القدرة الشرائية. وهنا يطلّ الذهب بوصفه معدن لا يتلف، محمول عبر الحدود، ومقبول على نطاق عالمي بوصفه مخزناً للقيمة. لكن سؤال الجدوى لا يزال ملحّاً: هل شراء الذهب بالفعل وسيلة فعّالة لتجنّب خسارة قيمة العملة في سوريا، أم أن الصورة أكثر تعقيداً مما يروّج لها؟
شراء الذهب ومعادلة القيمة
الفكرة البسيطة وراء شراء الذهب تتمثل في تحويل مدخرات تتآكل بقوة التضخم إلى أصلٍ نادر يقتنص قيمته من شحّه ومن الطلب العالمي عليه، فكلما ضعفت العملة الورقية، بدا الذهب كمرساة تحفظ القوة الشرائية.
وهذه النظرة لا تعد وعداً بالثراء السريع بقدر ما هي رهان على الثبات النسبي للقيمة عبر الزمن، فصاحب المدخرات لا ينتظر من الذهب أن يوزّع أرباحاً، بل أن يحافظ على القدرة على الشراء حين تتعب العملات، لذلك يرتبط قرار شراء الذهب بأفقٍ زمني طويل، لا بمطاردة قفزة سعرية عابرة.
أرقام خزام تحت المجهر
قدّم الخبير الاقتصادي السوري جورج خزام مثالاً حسابياً لافتاً: سعر أونصة الذهب في الأول من يناير 2010 كان يقارب 1,158 دولاراً. بافتراض أن المبلغ أُودِع في المصرف بعائد مركب 9% سنوياً، فإن القيمة بعد خمسة عشر عاماً ستكون في حدود 4,218 دولارات.
ويشير خزام إلى أن سعر الأونصة عند نشر رأيه (صباح اليوم) كان قريباً من 4,112 دولارات، ما يعني أن المقتني الذي احتفظ بالذهب طوال تلك المدة حقق تقريباً ما يماثل عائداً مركباً بنسبة 9% سنوياً.
الخلاصة التي يلمّح إليها المثال واضحة: على المدى الطويل، قد يوازي الاحتفاظ بالذهب عائداً مصرفياً مرتفعاً إذا قيس بالدولار، مع بقاء التقلّبات الحادّة على المدى القصير جزءاً من طبيعة المعدن الأصفر، ورقمياً تبدو المقارنة صادمة لمن يظن أن الذهب “ينام”، لكنها تكشف عن جوهره التاريخي كمخزن قيمة لا كآلة توليد أرباح.
ما وراء النسبة السنوية
مع ذلك، قراءة الأرقام بلا سياق قد تقود إلى استنتاجات متسرّعة، فالعائد المركب الجميل في المثال السابق ليس خطاً مستقيماً، بل متوسط يمرّ فوق وديان وقمم من التذبذب.
خلال الأعوام الخمسة عشر نفسها تعرّض سعر الذهب لموجات صعود وهبوط قاسية، وفي فترات معيّنة كان من اشترى عند ذروة مرتفعة مضطراً للانتظار سنوات حتى يعادل خسارته الدفترية. وهنا يكمن الفرق بين الإيداع المصرفي والذهب: الأول يقدّم تدفّقاً متوقعاً من الفوائد (مع اختلاف المخاطر تبعاً لسلامة المصرف والعملة)، بينما يعتمد الثاني على حركة السوق التي تحرّكها شهية المخاطرة، وتوقعات التضخم، وتبدلات أسعار الفائدة، وتدفّقات البنوك المركزية، والأزمات الجيوسياسية.
ثمّة عامل آخر يغيب عن حسابات “النسبة السنوية” وهو الكلفة، فشراء الذهب عبر السبائك والعملات يتضمّن فارقاً بين سعر الشراء والبيع، إضافة إلى تكاليف الحفظ والتأمين إن وُجدت، بينما الاستثمار عبر الصناديق المتداولة يضيف مصاريف إدارة سنوية صغيرة لكنها مستمرة.
وهذه التكاليف قد تبدو هامشية في العام الواحد لكنها تتراكم بمرور الزمن وتقلّص العائد الفعلي، لذلك لا يكفي أن نقول إن العائد “يبدو” 9%، بل يجب خصم المصاريف لتتّضح الصورة.
عوامل تحرّك سعر الذهب
لا يعيش الذهب في فراغ، إذا انخفضت أسعار الفائدة الحقيقية في الاقتصادات الكبرى أو ازداد القلق من التضخم، يصبح الاحتفاظ بالذهب أكثر جاذبية، إذ تقلّ تكلفة الفرصة البديلة مقارنة بأدوات الدخل الثابت.
وإذا ارتفع الدولار بحدّة، يميل الذهب للتراجع لأن السعر العالمي مقوّم بالدولار، ما يرفع كلفة الشراء على باقي العملات. كذلك تؤثر مشتريات البنوك المركزية بشكل ملحوظ؛ إذ يمثل تراكمه في احتياطيات بعض الدول رسالة ثقة طويلة الأجل، تعزز الطلب الهيكلي.
أما أزمات الحروب والاضطرابات المالية فتعمل كمحرّكات نفسية تدفع المستثمرين للتوجّه نحو الأصول الآمنة، وفي مقدمتها الذهب.
هذه العوامل لا تتحرك دائماً في الاتجاه ذاته، لذا يجد المستثمر نفسه أمام لوحة متداخلة من الإشارات، ومن هنا تبرز حكمة تحويل شراء الذهب إلى جزء من إستراتيجية توازن، لا إلى رهانٍ وحيد على المستقبل، فالذهب، بصفته أصلاً لا يرتبط بإيراد تشغيلي، يكتسب قيمته من كونه تأميناً ضد السيناريوهات السيئة أكثر مما هو محرك عائد في السيناريوهات الوردية.
كيف نشتري الذهب بذكاء
المدخل المتوازن يبدأ بتحديد الغاية، إذا كان الهدف حماية القوة الشرائية على مدى سنوات، يصبح شراء الذهب في دفعاتٍ دورية استراتيجية عملية تقلّل أثر توقيت السوق، فما يُعرف بالمتوسط الدوري للتكلفة يخفف من قسوة التقلبات، إذ يوزع نقاط الدخول على فترات متعددة.
واختيار الأداة لا يقل أهمية، فالسبائك والعملات تمنح إحساس الملكية المادية والحرية من مخاطر الطرف المقابل، لكنها تتطلب عناية بالتخزين ووعياً بفروق التسعير، أما الحليّ فليست وسيلة ادخار مثالية بسبب كلفة المصنعية المرتفعة وهوامش إعادة البيع.
إضافةً إلى ذلك، يستحسن وضع الذهب ضمن سلة أصول متنوعة تشمل شيئاً من النقد للطوارئ، وأدوات دخل ثابت عالية الجودة، وربما أسهماً موزّعة للأرباح لمن يتحمل درجة من المخاطرة. وهذا المزج يعالج عيب الذهب الأساسي، أي غياب الدخل الدوري، فحين يغذي جزءٌ من المحفظة التدفقات النقدية، يصبح الانتظار على الذهب أقل وطأة، وتغدو التقلبات أقل تأثيراً نفسياً.
يخدم التخطيط الضريبي والالتزام بالشفافية غاية الحفظ أيضاً، لأن بعض البلدان تفرض ضرائب على مكاسب رأس المال أو على عمليات الاستيراد والحيازة، لذا فإن قرار شراء الذهب ينبغي أن يراعي البيئة القانونية المحلية، تماماً كما يراعي ظروف السوق العالمية.
خطط عملية للمستثمرين الأفراد
قد يرى القارئ في بعض الكلام السابق شيئاً لا يعنيه، أو أنه مسائل يُعنى بها الاختصاصيون، ولهذا سنتحدث قليلاً عن قواعد بسيطة قابلة للتطبيق، وهي بطبيعة الحال ليست وصفة سحرية.. في سبيل هذا:
أولاً، تحديد نسبة قصوى من المدخرات للذهب—غالباً بين 10% و20%—يخلق انضباطاً يمنع الاندفاع إلى الاحتفاظ المفرط أو البيع تحت ضغط الخوف.
ثانياً، ربط شراء الذهب بهدفٍ واضح: حماية تعليم الأطفال، أمان التقاعد، أو صمام أمان للظروف الطارئة.
ثالثاً، الاحتفاظ بسجلٍ بسيط لعمليات الشراء والأسعار يضبط التوقعات ويحول المزاج إلى أرقام.
رابعاً، مقاومة وهم التوقيت الدقيق، لأن محاولة اصطياد القاع أو القمة تحوّل الادخار إلى مغامرة غير محسوبة.
خامساً، مراجعة الخطة سنوياً لإعادة التوازن إذا قفزت نسبة الذهب فوق الحدود المقررة أو هبطت دونها.
وفي ضوء ما تقدّم، تبدو رسالة خزام الحسابية مفيدة: العبرة ليست في يومٍ أو شهر، بل في مسارٍ ممتد يوازن بين تقلبات السوق وقيمة الادخار الحقيقي، ومع الاعتراف بأن السوق قد يقدّم سنوات عجافاً، يظل الذهب – حين يُشترى بعقلٍ بارد ويُحتفظ به بصبر – أداة منطقية لتخفيف أثر تآكل العملة، لا عصا سحرية لمضاعفة الثروة.
خلاصة
هل ينفع شراء الذهب لتجنب خسارة قيمة العملة؟ الإجابة الأقرب للواقعية: نعم، بشرط التعامل معه كوسيلة تأمين طويلة الأجل داخل محفظة متوازنة، مع فهمٍ عميق لطبيعته غير المُدرّة للدخل وتكلفته وتقلبه.. حين تتبنى هذه القواعد، يصبح الذهب أشبه بحزام أمان لا يمنع وقوع الحوادث الاقتصادية، لكنه يقلل الخسائر ويمنح صاحبه فرصة الخروج بأقل الأضرار.
اقرأ أيضاً: الذهب الأحمر في المونة السورية.. رحلة صناعة دبس الرمان في ظل التحديات