بقلم: ريم ريّا
الاقتصاد الأزرق، يبرز هذا المصطلح كأحد المفاهيم التنموية الحديثة، القادرة على تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي واستثمار مقدرات البيئة البحرية دون الإضرار بها. هذا الاقتصاد قائم على استثمار الموارد البحرية والساحلية بطريقة مستدامة تؤمن الأمن الغائي وتخلق فرص عمل جديدة.
في هذا السياق، يمتلك الساحل السوري الممتد من اللاذقية إلى طرطوس مقومات فريدة تؤهله لأن يكون قاطرة الاقتصاد الأزرق في سوريا، فمياهه وموارده الطبيعية، وموقعه الجغرافي المطل على شرق المتوسط عناصر تؤمن له قاعدة متينة لكي يطور قطاعات واعدة تم نسيانها مثل: السياحة البيئية الساحلية، الصيد البحري بأسلوب مستدام، الطاقة البحرية المتجددة وغيرها من العناصر التي يمكن استثمارها. وتطويع هذه الموارد بطريقة مدروسة ومنظمة، يمكن له أن يحول الساحل السوري إلى محور اقتصادي حيوي يساهم في تنويع الدخل الوطني، ويدعم إعادة الإعمار وبناء المستقبل. في هذا المقال سنلقي الضوء على مقدرات الساحل السوري، والتحديات أمام صعود الاقتصاد الأزرق في البلاد.
لمحة عن الاقتصاد الأزرق ومقدرات الساحل السوري
مفهوم الاقتصاد الأزرق عرف في عام 2012 عندما أطلقه رجل الاقتصاد البلجيكي ( غونتر باولي ) وهو يؤكد على صون الإدارة المستدامة للموارد المائية، استناداً إلى فرضية أن النظم الإيكولوجية السليمة للمحيطات والبحار والمسطحات المائية هي الأكثر إنتاجية وهي واجبة من أجل استمرارية الاقتصادات القائمة على المياه.
الاقتصاد الأزرق يعتمد على الإدارة الجيدة للموارد المائية وحماية البحار والمحيطات بشكل مستدام للحفاظ عليها من أجل الأجيال الحالية والقادمة. وآلية عمل هذا الاقتصاد هي آلية تحفيزية لتطوير السياسات والاستثمار والابتكار، ما يدعم ويعزز الأمن الغذائي، ويحد من الفقر وينمي الإدارة المستدامة للموارد المائية.
آلية هذا الاقتصاد تعتمد على تربية الأحياء المائية، وتعزيز السياسات والممارسات الجيدة لاستزراع السمك والمحار والنباتات البحرية بصورة مسؤولة ومستدامة، بالإضافة إلى توفير خدمات النظام الإيكولوجي الذي يقوم على استهداف وتعزيز النظم الرقابية وآليات استعادة الموائل ( أو البيئة الطبيعية ) الحيوية الساحلية والتنوع البيولوجي
هناك طلائع للاقتصاد الازرق في سوريا، في حال لاقت الاهتمام المطلوب، فالتجارة السورية عبر البحر كانت تمارس على نحو واسع ولا تزال حتى الآن، قائمة على الاستيراد والتصدير ونقل المسافرين من سوريا إلى الخارج وبالعكس عن طريق البحر حتى ولو كان نقل الأفراد يتم على نطاق ضيق.
غير أن خدمات النقل بحراً بين المدن الساحلية السورية (اللاذقية – جبلة – بانياس – طرطوس ) ما تزال منعدمة، باستثناء النقل البحري المكثّف بين طرطوس وجزيرة أرواد بغرض السياحة أو التنقل. فضلاً عن أن صيد السمك من البحر يمارس في سوريا على نحو شبه يومي، ولكن كميات الصيد تبقى شحيحة جداً ويلاقي قلة اهتمام من ناحية تطوير أساليبه والتقنيات المستخدمة فيه.
يمتد الساحل السوري من محافظة طرطوس جنوباً حتى رأس البسيط في محافظة اللاذقية شمالاً في، ويضم محافظتين رئيستين هما: اللاذقية وطرطوس، بطول يمتد ب 180 كلم. و يساوي 35 ميلاً بحرياً (65 كلم) تقريباً من شاطئ البحر الأبيض المتوسط.
الجدير بالذكر أن “اقتصاد المحيطات والبحار” مثل الشحن والسياحة ومصايد الأسماك والطاقة البحرية شكلت 7% من التجارة العالمية في عام 2023 بقيمة إجمالية تتجاوز 2.2 تريليون دولار. واقتصاد المحيطات نما بين عامي 1995 و2020 بمقدار 2.5 مرة متجاوزاً بذلك نمو الاقتصاد العالمي البالغ 1.9 مرة وهو النمو الذي أسهمت فيه الاقتصادات النامية بشكل كبير. وآسيا وحدها صدرت في الفترة الماضية حوالي 912 مليار دولار وأوروبا بـ 868 مليار دولار من المنتجات والخدمات المتعلقة بالمحيطات ما يشكل معاً أكثر من 80% من صادرات المحيطات العالمية.
ليبقَ السؤال مطروحاً: هل يستطيع الساحل السوري بموارده أن يمد الاقتصاد الأزرق بما يحتاجه؟
اقرأ أيضاً: الساحل السوري… جمال مهدور بين الأمواج والنفايات
مقدرات الساحل السوري بمحافظتيه (اللاذقية – طرطوس)
تقدر مساحة الساحل السوري بجبله وبحره بحوالي أربعة آلاف كيلو متراً مربعاً، ويضم محافظتين، “اللاذقية” و”طرطوس”، وتعتبر اللاذقية أكبر من طرطوس. ويضم إضافة إلى مركزي المحافظتين، عدداً من المدن مثل: “جبلة” و”بانياس”، وعدداً من مراكز بلدات مثل: “صافيتا” و”القرداحة” و”الدريكيش”، فيما تتوزع آلاف القرى مختلفة المساحة والسكان والموارد على الجبال، التي تمتد حتى “حمص” و”حماة” و”إدلب”.
كما شكلت محافظتا الساحل في عام 2010 ما تقديره بين عشرة إلى خمسة عشر في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السوري، الذي بلغ 129 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل 2.57 مليار دولار بأسعار العام 2010.
البيئة الساحلية والبحرية في سوريا تتمتع بخصائص فیزیائیة وكیمیائیة وحیویة تؤثر على حجم وتركيب وزيادة التنوع الحيوي البحري (المخزون الحيوي). ويتمتع الساحل السوري بأهمية اقتصادية كبيرة، فهو رئة الاقتصاد السوري على مر التاريخ ومفتاح انفتاحه البحري وما يربطه بأوروبا ودول العالم. ففيه يقع ميناء اللاذقية، أكبر مرافئ سوريا التجارية على البحر المتوسط، يليه ميناء طرطوس كثاني أكبر الموانئ.
مرفأ اللاذقية، هو ميناء سوريا الأول، بتقديمه خدمات الشحن البحري التجاري وسفن الصيد، والذي يختص بنشاط تجاري كثيف يشمل تصدير المنتجات الزراعية (خاصة الحمضيات والفواكه) والمواد الخام والنفطية، ويعد مركزاً رئيسياً لحركة الحاويات والتجارة البحرية.
أما مرفأ طرطوس، هو الواجهة البحرية الثانية لسوريا ومنطقة شرقي المتوسط في تجارة الترانزيت التي تنشط فيه بكثرة، كما يشتهر بدوره في تصدير الحبوب والبضائع العامة واستيراد احتياجات البلاد، وكان قبل اندلاع الحرب في عام 2011 محطة مهمة لنقل إمدادات القمح والمواد الاستراتيجية.
ولا ننسى ميناء بانياس فهو الميناء الرئيسي في البلاد لتصدير النفط إلى الخارج. بينما يستخدم ميناء جبلة للصيد البحري، فسوق السمك في مدينة جبلة خاصةً وسوق السمك في محافظة اللاذقية عامةً من أشهر أسواق الأسماك في البلاد وأكثرها منافسة.
كذلك في الأعوام 1975و 2003 و2005، أجريت عدة مسوح زلزالية قبالة الساحل السوري، وخلصت معظم هذه المسوح إلى الأهمية البترولية للمناطق البحرية الواقعة ضمن “المياه الاقتصادية السورية”، وكشفت حينها الأقمار الصناعية عن تسربات بترولية (نفطية وغازية) في عرض البحر قبالة الساحل السوري، وكذلك على اليابسة قرب مدينة اللاذقية.
أما عام 2009، بعد أن حفرت الشركة السورية للنفط “بئر اللاذقية – 4” أثبت وجود نظام بترولي تحت قاع البحر التي يهاجر جزء منها إلى الأجزاء الأعلى اليابسة، وتشير نتائج المسوحات الزلزالية قبالة الساحل السوري، إلى جانب نتائج الآبار التي حفرتها الشركة السورية للنفط على اليابسة بالقرب من خط الساحل، إلى إمكانات واعدة في المياه الاقتصادية السورية، كما أن هناك مؤشرات مشجعة، حيث قدرت الهيئة الجيولوجية الأميركية احتياطيات الغاز في المياه السورية بحوالي 700 مليار متر مكعب.
اقرأ أيضاً: هل يروي الساحل عطش دمشق.. أم فقط مسكّنات
كيف يمكن تطويع مقدرات الساحل السوري لخدمة الاقتصاد الأزرق
كل تلك الموارد الطبيعية يجب تطويعها للحصول على نمو في الاقتصاد الأزرق والوصول إلى الكمال به، والتطويع يتم على الشكل التالي، بدايةً بالتوازن بين النمو والتنمية البيئية، ففي قطاع الصيد البحري يمكن تحديث الأسطول البحري وتجهيزه بتقنيات الصيد الرشيد ما يحافظ على التنوع الحيوي ويمنع الاستنزاف الجائر، إلى جانب إنشاء مرافئ صيد حديثة وكون ميناء جبلة مخصص بشكل أكبر للصيد لماذا لا يتم الاهتمام فيه وتجهيزه بمراكز تبريد ومعالجة، بذلك يتم تأمين سلسلة إنتاج متكملة من البحر إلى السوق المحلية ومن ثم إلى التصدير في حال كان ذلك ممكناً.
انتشرت مؤخراً في الساحل السوري المزارع السمكية، فيجب تطوير الاستزراع السمكي في المنطقة، فهو يعتبر من أهم الموارد الواعدة، فيمكن التوسع بتربية السمك والأحياء البحرية ضمن أحواض إما مغلقة أو عائمة مع الاستفادة من مياه الساحل الدافئة والنظيفة، ما يخفف الضغط على الصيد التقليدي ويخلق فرص عمل في المجتمعات الساحلية.
يمكن الاستفادة من إمكانات الساحل الواعدة في الطاقة المتجددة، سواء باستثمار طاقة الأمواج والتيارات البحرية أو طاقة الرياح التي تهب على الساحل، وذلك من أجل توليد كهرباء نظيفة وتقليل الاعتماد على المصادر الطاقية الأخرى، إلى جانب العمل مع مراكز الأبحاث البحرية وتطوير تلك الأبحاث في الجامعات على سبيل المثال جامعة اللاذقية لتعزيز هذا القطاع بتجارب محلية تقود إلى إنتاج فعلي في السنين القادمة. فضلاً عن تطوير مرافئ اللاذقية وطرطوس وجعلهما مركزين بحريين إقليميين هامين.
مع تفعيل دور الجامعات ومراكز الأبحاث البحرية التي تشكل الرافعة العلمية للاقتصاد الأزرق، من خلال دعم الدراسات التطبيقية حول الموارد السمكية، جودة المياه، التلوث البحري، والطاقة المتجددة، إضافة إلى تدريب الكوادر المتخصصة في إدارة المناطق الساحلية.
التحديات التي تواجه الاقتصاد الأزرق وتوصيات بشأنها
كما أشرنا أن عماد الاقتصاد الأزرق هو تنوع البيئة الساحلية للمكان، ومن أبرز التحديات في الساحل السوري هي البيئة البحرية، فهي فقيرة بالتنوع الحيوي البحري عموماً، والثروة السمكية خصوصاً، لعدة أسباب منها:
- أن البحر المتوسط بحر شبه مغلق فهو لا يتصل إلا عن طريق مضيق جبل طارق بالمحيط الأطلسي وعن طريق قناة السويس بالبحر الأحمر.
- لدى الساحل موازنة سلبية، أي أن الفقد المائي الناجم عن التبخر أكبر من كمية المياه الواردة إليه من الأمطار والأنهار، وهذا أحد الأسباب المهمة لارتفاع معدل الملوحة فيه وخاصة في الجزء الشرقي من المتوسط كالمياه السورية حيث تصل درجة الملوحة إلى 40‰ وما ينتج عن ذلك من قلة الغذاء المتوفر للأسماك.
- هناك تغيير في تركيب التنوع الحيوي المائي في المنطقة نتيجة قدوم أسماك محبة للملوحة والحرارة من البحار المجاورة.
- انعدام الخلجان وانعدام البحيرات الشاطئية على الساحل السوري، والتي تمثل أفضل الأماكن لنمو وتكاثر عدد هام من الأسماك والأحياء البحرية.
- قلة الوارد المائي من الأنهار إلى البحر وبالتالي قلة العناصر المغذية.
- قصر الساحل السوري وضيق الرصيف القاري في أغلب مناطق الساحل.
إلى جانب التلوث البحري الناتج عن الصرف الصحي الذي يصب في البحر، والناتج عن مخلفات النفط والصناعة التي تجد طريقها كذلك إلى البحر، فضلاً عن ضعف الرقابة البيئية ونقص الكوادر المتخصصة في إدارة الموارد الساحلية وعلوم البحار.
لمواجهة هذه التحديات، يجب ولادة خطة وطنية شاملة تدعم الاقتصاد الأزرق وتعمل عليه، وفي هذه الاستراتيجية يجب أن تتكامل جهود القطاع الخاص مع الحكومة إلى جانب مراكز البحوث البحرية وأبحاث الجامعات لإعداد دراسات وخطط تدفع بالاقتصاد الأزرق إلى الأمام وتطوع موارد الساحل السوري خدمه له، فضلاً عن تشجيع الاستثمار في التكنلوجيا البحرية والطاقة المتجددة، وإعادة هيكلية منظومة القوانين البيئية والتشديد فيها على ترشيد استخدام الموارد البحرية.