مشاهير

هل تنجح موازنة 2026 في خفض كلفة الخدمات الأساسية على السوريين؟

هل تنجح موازنة 2026 في خفض كلفة الخدمات الأساسية على السوريين؟

الكاتب: أحمد علي

تكبر الموازنات أحياناً على الورق أسرع مما يتبدل ثقلها في حياة الناس. هذا هو المدخل الأوضح إلى نقاش موازنة 2026 في سوريا. فالرقم بحد ذاته مهم، لكنه ليس السؤال كله. السؤال الأقرب إلى حياة السوريين أبسط وأكثر مباشرة، هل سيؤدي هذا التوسع في الإنفاق، وخصوصاً في جانبه الاستثماري، إلى خفض الكلفة الفعلية للكهرباء والمياه والنقل والطبابة والتعليم، أم أن الأثر سيبقى أبطأ من حاجات الناس وأقسى من قدرتهم على الانتظار؟

المعطيات الرسمية تقول إن موازنة 2026 تبلغ نحو 10.516 مليارات دولار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 8.716 مليارات دولار. كما توزعت النفقات، وفق العرض الرسمي، بين 27 بالمئة للإنفاق الاستثماري و60 بالمئة للنفقات الجارية و13 بالمئة للدعم الاجتماعي. وهذا التوزيع مهم لأن النقاش لا يدور حول رقم إجمالي فقط، بل حول موقع الاستثمار داخل هذا الرقم، وحول ما إذا كان قادراً على إصلاح بنية الخدمات الأساسية التي ترفع العبء اليومي على الأسر.

موازنة 2026 وما الذي تعد به

في عرضها الرسمي، تربط الحكومة الموازنة بثلاثة أهداف واضحة، تحسين جودة حياة المواطن، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحفيز النمو عبر الشراكة مع القطاع الخاص. كما عرض وزير المالية أرقاماً تفيد بأن الإنفاق الاستثماري ارتفع بنسبة 35.5 بالمئة مقارنة بالسنة السابقة، مع الحديث عن توجيه أولوية إلى البنية التحتية والخدمات والقطاعات الإنتاجية. من حيث المبدأ، يوحي هذا الاتجاه بأن الحكومة لا تتحدث عن موازنة انكماش أو تقشف مباشر في الخدمات، بل عن محاولة توسيع الإنفاق الذي يمكن أن ينعكس عليها لاحقاً.

لكن هذه هي البداية فقط. فالإنفاق الاستثماري لا يتحول تلقائياً إلى خدمة أرخص أو أفضل، ولا يعمل بنفس السرعة في كل قطاع. قد تذهب الزيادة إلى مشروع ضروري لكنه طويل الأجل، وقد تذهب إلى قطاع يخفف اختناقاً عاماً من دون أن يخفض الفاتورة المباشرة التي يدفعها المواطن في الشهر نفسه. لهذا، فإن الحكم على الموازنة من زاوية الخدمة يحتاج إلى النظر في الجهة التي سيوجه إليها الإنفاق، وفي الزمن المطلوب حتى يظهر أثره، وفي قدرة الإدارة العامة على التنفيذ.

الكلفة ليست تعرفة فقط

جزء أساسي من النقاش يتعلق بمعنى الكلفة نفسها. كلفة الكهرباء لا تظهر فقط في الفاتورة الرسمية، بل أيضاً في ثمن الأمبير والبطاريات والديزل والانقطاع. وكلفة المياه لا تختصرها الرسوم، بل يضاف إليها شراء المياه حين تنخفض ساعات الضخ أو تتراجع جودة الشبكات. والتعليم الرسمي المجاني قد يبقى مرهقاً إذا فرض على الأسرة نقل إضافياً أو دروساً خاصة أو نفقات متفرعة. بهذا المعنى، فإن أي استثمار في الكهرباء والمياه والنقل والصحة والتعليم يمكن أن يخفف العبء حتى لو لم تتغير التعرفة مباشرة، لأنه يضرب الكلفة غير الرسمية التي راكمتها سنوات التدهور.

هذا هو الوجه الذي يمنح الإنفاق الاستثماري وزنه الحقيقي. فإذا نجح جزء معتبر من المخصصات في إصلاح محطات الكهرباء أو شبكات المياه أو المراكز الصحية والمدارس والطرق، فإن ذلك قد يخفض الكلفة التي تدفعها الأسرة خارج الجداول الرسمية. لكن هذا النوع من الأثر ليس فورياً. هو يحتاج إلى وقت، ويحتاج قبل ذلك إلى إدارة فعالة وقدرة على المتابعة والرقابة، وإلا تحولت الموازنة إلى إنفاق كبير بأثر محدود.

أين قد يظهر الأثر

إذا أخذنا الأولويات المعلنة على محملها العملي، يمكن القول إن هناك ثلاثة مسارات مرشحة لتخفيف العبء على السوريين. المسار الأول هو البنية التحتية الأساسية، لأن تحسن الكهرباء والمياه والطرق يقلص اعتماد الأسر على البدائل الأعلى كلفة. والمسار الثاني هو الصحة والتعليم، لأن أي توسع فعلي في قدرة المرافق العامة واستقرارها يخفف الحاجة إلى اللجوء القسري إلى الخدمات الخاصة. أما المسار الثالث فهو النقل والخدمات البلدية، وهما قطاعان كثيراً ما يبدوان ثانويين في النقاش العام، لكن أثرهما اليومي على إنفاق الأسرة كبير ومباشر.

مع ذلك، لا يكفي أن تُذكر هذه القطاعات في العناوين. صندوق النقد الدولي شدد في مراجعته الأخيرة على أن زيادة الإنفاق ينبغي أن تقترن بتحسين الكفاءة والشفافية وحماية الإنفاق الاجتماعي، لأن التوسع المالي وحده لا يضمن نتيجة أفضل. وهنا تظهر نقطة الحسم، أي إن العبرة ليست في حجم ما يخصص فقط، بل في ما إذا كانت هذه الأموال ستصرف على مشروعات ذات أثر اجتماعي واضح وقابل للقياس، لا على بنود واسعة يصعب تتبع مردودها.

ما الذي قد يبدد الأثر

في الجهة المقابلة، توجد فرضية معاكسة لا يمكن تجاهلها. بعض النقاشات الاقتصادية السورية حذرت خلال الأشهر الماضية من أن زيادة الاستقلالية المالية للوحدات الإدارية أو للمؤسسات الخدمية قد تدفعها إلى تعويض ضعف التمويل عبر تحميل المستهلك جزءاً أكبر من الكلفة. وإذا حدث ذلك، يمكن أن تتوسع الموازنة في جانبها الاستثماري، فيما تبقى الرسوم والأسعار والبدائل القسرية مرتفعة بالنسبة للأسرة.

هذا الاحتمال لا يمكن الجزم به بوصفه نتيجة حتمية لموازنة 2026، لكنه احتمال واقعي ينبغي وضعه داخل التقييم. فالحياة المعيشية ما تزال شديدة القسوة، ومؤشر «قاسيون» لكلفة المعيشة أظهر أن أسرة من خمسة أفراد تحتاج إلى نحو 7.8 ملايين ليرة شهرياً، وهو رقم يكشف المسافة الكبيرة بين الخطط العامة وبين الضغط الفعلي الذي يعيشه الناس. لهذا، فإن أي حديث عن خفض كلفة الخدمات ينبغي أن يقاس على جيب الأسرة أولاً، لا على اتساع الإنفاق في الجداول.

المعيار هو جيب الأسرة

لهذا تبدو الإجابة الأهدأ والأدق هي أن موازنة 2026 قد تفتح طريقاً إلى خفض كلفة الخدمات الأساسية، لكنها لا تضمن ذلك بذاتها. فيها توسع واضح في الإنفاق الاستثماري، وفيها أولوية معلنة للصحة والتعليم والبنية التحتية، وهذا يمنحها إمكانية فعلية لتخفيف بعض الأعباء إذا حُسن التنفيذ. لكن الأثر لن يكون سريعاً ولا متساوياً، كما أنه سيبقى مشروطاً بكفاءة الإدارة، وشفافية الصرف، وبتوجيه الموارد إلى نقاط الاختناق التي يدفع المواطن ثمنها كل يوم.

في النهاية، لا يُختبر نجاح الموازنة في نصوصها ولا في نسبها العامة، بل في الكهرباء التي تستقر، والمياه التي تصل بكلفة أقل، والمدرسة والمستوصف والنقل العام حين تصبح أقل استنزافاً للدخل. إذا اتجه الإنفاق إلى هذا المسار، يمكن أن تتحول موازنة 2026 إلى بداية تخفيف حقيقي للعبء. وإذا بقيت النتائج أبطأ من حاجات الناس، فستظل الموازنة أكبر من أثرها، وأقرب إلى الوعد منها إلى التغيير.

اقرأ أيضاً: بين ضيق المعيشة وروح رمضان.. فعالية تجارية تعيد الحركة لأسواق جبلة

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.