شركات

هل يمكن أن تُصبح سوريا «مستعمرة أمريكية»؟!

هل يمكن أن تُصبح سوريا «مستعمرة أمريكية»؟!

الكاتب: أحمد علي

خبر واحد قادر على إشعال أسئلة كبيرة: تسريب صحفي يتحدث عن نية واشنطن تثبيت وجودٍ عسكري في قاعدة قرب دمشق، فتقفز عبارة «مستعمرة أمريكية» إلى عناوين وتعليقات، وتتراكم فوقها ظلال التاريخ والسياسة والقانون.. وبين الإثارة الضرورية لشدّ الانتباه والمعلومة الواجبة لتكوين رأي رصين، يحاول هذا المقال أن يضع القصة في ميزان الوقائع والمعايير، بعيداً عن الانفعال وقريباً من فهمٍ يشرح ما جرى ويضع احتمالاته وحدوده.

السؤال: هل نحن أمام مسار يحوّل سوريا إلى «مستعمرة أمريكية»، أم أمام قراءة متسرعة لخبرٍ قابلٍ للأخذ والرد؟ التسريب الذي أعاد النقاش إلى السطح نُسب إلى رويترز بوصفه خطةً لوجود أمريكي في قاعدة بالعاصمة ضمن ترتيبات أمنية أوسع، وقد تبعته فوراً ردود نفيٍ من دمشق وقراءات تحليلية متباينة في مراكز أبحاث وصحف.

ما معنى «مستعمرة أمريكية»؟

قبل اختبار الوصف على الحالة السورية، يلزم ضبط المصطلح. في القانون الدولي الإنساني يعرّف «الاحتلال» بأنه سيطرة فعلية لدولة على إقليمٍ أجنبي من دون سند سيادي وبغير رضا سلطاته، معيارها «وضع الإقليم تحت سلطة جيشٍ معادٍ» وقدرته على ممارسة تلك السلطة، وهذا هو حجر الزاوية: «الفعالية» واتساع نطاقها.

لكن «مستعمرة أمريكية» يتجاوز «الاحتلال» إلى بنيةٍ أثقل: علاقة إخضاعٍ مستدامة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، حتى إن لم تتخذ شكل ضمٍّ رسمي، وهنا يظهر مفهوم «الهيمنة/الاستعمار الجديد»: تأثير خارجي يوجّه سياسات بلدٍ مستقل من دون رفع علم المُستعمِر فوق مؤسساته.

هذه الأدبيات، من نكروما إلى تعريفات معاصرة في المعرفة الأممية والموسوعات، ترى «الاستعمار الجديد» شبكة أدوات: قواعد عسكرية، اتفاقات اقتصادية، شروط تمويل، ونفوذ معرفي وإعلامي. غير أن تحقّق «الاستعمار» أو «الاستعمار الجديد» ليس بالأوصاف الإنشائية، بل بقياسٍ دقيقٍ لمدى نفاذ القرار الخارجي إلى صُلب السيادة.

القانون والوقائع

تطبيق معيار «السيطرة الفعلية» على سوريا اليوم يستدعي الرجوع إلى المعطيات الميدانية. فخلال 2025، انشغلت الصحافة المعتمدة بأخبار تقليص أمريكي متدرّج للوجود في الشمال الشرقي، من ثمانية مواقع إلى موقعٍ واحد، مع تخفيض العدد إلى ما دون الألف، مع بقاء المهمة المعلنة: منع عودة «داعش» وضبط مخاطر أمنية في فراغات الحكم.

وحتى مع بروز خبر «قاعدة دمشق»، فإن الصورة العامة طوال العام كانت أقرب إلى إعادة تموضعٍ وتخفيفٍ لا إلى تمدّدٍ احتلالي شامل. والأهم أن الحكومة السورية الجديدة نفت أساساً فكرة «قاعدة دمشق»، ما يعني أنّ «التصنيف القانوني» لا يزال محل نزاعٍ سياسي ومعلوماتي.

من زاوية القانون، يتحوّل توصيف «احتلال» عندما تتوافر ثلاثة عناصر معاً: وجود قوات أجنبية قادرة على بسط سلطة فعلية، غياب/عدم رضا السلطة المحلية عن هذا الوجود، واتساع ممارسة السلطة إلى إدارة شؤون الإقليم.

وحتى الآن، لا تُظهر المعطيات المنشورة أنّ القوات الأمريكية، بحجمها الحالي واتجاهاتها المُعلنة، تدير شؤون المحافظات السورية أو تتحكّم بإدارتها المدنية. وإن صحّت رواية «قاعدة دمشق» بصيغتها المسربة، فإنها تثير أسئلة سياسية كبرى، لكنها لا تكفي بذاتها لنقل الحالة إلى مستوى «احتلالٍ شامل» أو «مستعمرة أمريكية». إذ يبقى الفارق بين «وجود عسكري محدود بوظيفة أمنية» و«سيطرة سيادية ممتدة» فارقاً نوعياً في القانون.

القوى والقيود

حتى خارج النصوص القانونية، تُختبر عبارة «مستعمرة أمريكية» على أرض المصالح والتوازنات، فالولايات المتحدة، المرهَقة من كلفة الانخراط البري منذ عقدين، تميل إلى «الخفّة العملياتية»: ضربات دقيقة، شراكات محلية، قواعد أقل وأصغر.

وأشارت تقارير العام نفسه إلى عمليات متقطعة ضد خلايا «داعش» وإلى إعادة توزيع الجهد الإقليمي، لا إلى خطط رسوٍّ استعماري ثقيل.. في المقابل، تتداخل على الأرض السورية قوى أخرى—إقليمية ودولية—تضع سقوفاً صلبة لأي محاولة «انفراد».

روسيا وتركيا والاتحاد الأوروبي، كلٌّ بحسب مصالحه وخطوط نفوذه، يجعل من سوريا مسرح توازنٍ عبر تعدد الفواعل لا عبر حيازة طرفٍ واحد «للقرار الأعلى»، وفي هكذا لوحٍ معقّد، يصعب تصوّر تحوّلٍ سلس إلى «مستعمرة أمريكية» بالمفهوم الكلاسيكي أو حتى بقراءاته «النيوليبرالية».

الاقتصاد والسيادة

«الاستعمار» القديم كان يَعرف طريقه إلى مناجم ومرافئ وضرائب. أما «الاستعمار الجديد» فيقاس ببواباتٍ أُخرى: شروط مساعدة، خطوط تمويل، اتفاقات تجارة، واشتراطات حوكمة.

ولا تُظهر المصادر الموثوقة حتى الآن اتفاقات اقتصادية شاملة تمنح واشنطن مفاتيح الاقتصاد السوري أو تسمح لها بتحويله إلى ملحقٍ، وإذا كانت القواعد العسكرية تُقرأ أحياناً كـ«رافعة نفوذ»، فإن تحويلها إلى «مستعمرة أمريكية» يحتاج إلى أدوات سيطرة على القرار المالي والنقدي وسلاسل القيمة والموارد الطبيعية، وهذه—بحسب المعطيات المتاحة—لا تبدو في متناول واشنطن على الأرض السورية اليوم، حيث تتقاطع مصالح لاعبين آخرين وتحتكم الموارد لسلطات محلية متعددة ومركزٍ حكومي يسعى لاستعادة الضبط.

خطاب المصطلح

لماذا إذن تتقدّم عبارة «مستعمرة أمريكية» بهذه السهولة في سجالات الأيام الأخيرة؟ لأن اللغة قوةٌ سياسية؛ تُختزل بها التعقيدات في صورةٍ واحدة مكثفة، غير أنّ قوة العبارة لا تعفي من دقّة استخدامها. فعلى الإعلام والفاعلين العموميين أن يفرّقوا بين ثلاث دوائر: وجودٌ عسكري ذو مهام محدودة، احتلالٌ بالمعنى القانوني، و«استعمار/استعمار جديد» بوصفه بنية تبعية شاملة.

الخلط بين الدوائر يُنتج تعبئة سريعة، لكنه يربك الفهم العام ويضعف القدرة على محاسبة السياسات على مقاييس قابلة للتحقق، ومن هنا تأتي قيمة الإلحاح على السؤال بصيغته الدقيقة: هل تملك واشنطن، في السياق السوري الراهن، القدرة والإرادة وتكلفة التحويل إلى «مستعمرة أمريكية»؟ المعطيات المتاحة حتى كتابة هذا المقال تُشير إلى أن السيناريو الأرجح هو استمرار ترتيبات أمنية متبدلة، مع شدٍّ وجذبٍ سياسيين، لا مشروع «استعماري» كامل الأركان.

خلاصة

ما نملكه الآن هو خبرٌ عن قاعدةٍ مفترضة تبعه فوراً نفيٌ رسمي، في سياق عام يميل إلى تقليص الوجود الأمريكي لا إلى تضخيمه، وإلى عملياتٍ أمنية متفرقة لا إلى هندسة نظام وصاية دائم. لذلك، تبقى عبارة «مستعمرة أمريكية» توصيفاً سياسياً مجازياً أكثر منها حقيقة مثبتة في الحالة السورية الراهنة – إلا إذا تبدّلت الحقائق لاحقاً على الأرض وعلى الورق معاً.

ولذلك، فإن المتابعة النقدية للمعلومات، واحترامُ الفواصل بين المفاهيم، هما الضمانة الوحيدة كي لا نصير أسرى «عناوين جذابة» تُضلّل أكثر مما تُنير.

اقرأ أيضاً: لماذا تصر أمريكا على أنّ «تركيا حطّت وتركيا شالت» في سوريا؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.