الكاتب: أحمد علي
قدّمت الورقة البحثية الصادرة في تموز 2025 بإشراف الباحث والأستاذ في القانون الدولي إبراهيم دراجي ضمن ملفّ “قلمون” قراءة معمّقة للإصلاح المؤسسي بوصفه ركناً حاسماً في مسار العدالة الانتقالية السوري، وربطت بين تفكيك البُنى الاستبدادية وإمكانية بناء حكمٍ ديمقراطيّ يضمن عدم تكرار الانتهاكات. وشرحت كيف خضعت السلطة القضائية والأجهزة الأمنية لهيمنة سياسية وأمنية حوّلتهما إلى أدوات قمع بدل أن تكونا ضمانةً للحقوق والحريات، ما يجعل الإصلاح ضرورة وجودية لا تقنية فقط.
الإصلاح المؤسسي في العدالة الانتقالية: الإطار الحاكم والسؤال المركزي
أوضحت الدراسة أن “الإصلاح المؤسسي في العدالة الانتقالية” يطرح سؤالاً مزدوجاً: كيف تُصلح القطاعات التي شكّلت بيئة الانتهاكات، وكيف تُبنى مؤسسات تُقاوم عودة الاستبداد؟ واعتمدت منهجاً تحليلياً مقارناً يوازن بين التجربة السورية وسياقات دولية، مؤكدةً أن إشراك الضحايا والمجتمع المدني في صياغة الإصلاحات شرطٌ لشرعيتها وفاعليتها، وأن المقاربات الإقصائية أو النخبوية تُعرّض العملية للفشل.
من تشخيص العطب إلى توصيف القطاعات الأربع

شدّدت الورقة على أن العطب بنيوي ومتعدّد المستويات: أجهزة أمنية تعمل خارج الرقابة الفعّالة، وقضاء مُسَيطر عليه، وحياة حزبية مُعطّلة، وهيئات رقابية عاجزة أو مُستتبَعة. وانطلقت من خريطة الانتهاكات منذ 2011 لتبيّن كيف تكرّست دوائر الإفلات من العقاب، وكيف تداخل القانوني بالسياسي والأمني بما يمنع أي ضمانات لعدم التكرار من دون إصلاح جذري لهذه البُنى.
وقدّمت الدراسة أربعة حقولٍ للإصلاح: القطاع الأمني، والسلطة القضائية، والأحزاب السياسية، ومؤسسات الرقابة والمساءلة. واعتبرت أن نجاح أي حقل منها مشروط بترتيب منطقيّ للتسلسل الزمني، وبمواءمة دقيقة بين التغيير القانوني وبناء القدرات المؤسسية، وبإنشاء آليات متابعة مستقلة تُحاسب وتُصحّح المسار.
آليات الإصلاح: ما الذي يجب أن يتغيّر وكيف؟
عرضت الورقة في الأمن الداخلي إصلاحاتٍ تبدأ بوضع إطارٍ قانوني حديث يحدّد الاختصاص ويمنع التداخل بين الأجهزة، ويمضي نحو دمج أو حلّ الوحدات التي تشكّلت خارج القانون، مع اعتماد تدقيقٍ (Vetting) مهنيّ يَستبعد المتورطين بانتهاكات جسيمة، ويقرن ذلك برقابةٍ مدنية وبرلمانية وقضائية فعّالة، وبمدوّنة سلوك وشفافية في الميزانيات والتعيينات. وربطت ذلك بمبدأ سيادة القانون والتراتبية الواضحة في القيادة والولاية.
وأوصت في القضاء بإعادة تأسيس استقلاله المؤسسي، عبر تحصين تشكيلات القضاة وآليات الترفيع والتأديب من التدخلات، وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وتعزيز استقلال النيابة العامة، وتحديث التشريعات الإجرائية بما يضمن حقوق التقاضي وعلانية الجلسات، إلى جانب بناء قدرات القضاة والإدارة القضائية وتحديث البنية التحتية للعدالة.
واتجهت الدراسة في الحياة الحزبية إلى قانونٍ يضمن التعددية والمنافسة العادلة وشفافية التمويل، ويمنع التداخل بين الحزب وأجهزة الدولة والأمن، ويكفل حرية التنظيم من دون قيود سياسية وأمنية مُعطِّلة. وربطت ذلك ببيئة انتخابية نزيهة وهيئات مستقلة لإدارة الانتخابات والرقابة على الإنفاق السياسي.
وفي ميدان الرقابة والمساءلة، دعت الدراسة إلى تفعيل ديوان المحاسبة وهيئات مكافحة الفساد والهيئات الحقوقية المستقلة، ورفدها بصلاحياتٍ للتحقيق والوصول إلى المعلومات وحماية المُبلّغين، مع إلزام السلطات كافة بنظام تقارير دورية علنية يتيح للمجتمع المدني والصحافة متابعة مؤشرات الأداء والإصلاح.
اقرأ أيضاً: رواندا.. «العدالة الانتقالية» وإعادة الإقلاع ما بعد الحرب!
دروس مقارنة وحدود النقل الحرفي
استفادت الورقة من أدبياتٍ وتطبيقات أممية وتجارب دولية في كينيا وإندونيسيا وغيرها، لتؤكد أن استنساخ “وصفة جاهزة” غير ممكن، وأن النجاح ارتبط دوماً بإدماج الضحايا، وبنقاشٍ وطنيّ شامل، وبربط إصلاح القطاع الأمني والقضاء بعملية سياسية دستورية تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. وبيّنت أن أي تأجيلٍ مُفرِط للإصلاحات البنيوية يرسّخ شبكات المصالح القديمة ويُهدّد السلم الأهلي.
المشاركة والشرعية وسؤال التوقيت
ركّزت الدراسة على أن الإصلاح المؤسسي في العدالة الانتقالية لا يُختزل في النصوص القانونية، بل يتطلّب شرعية اجتماعية وسياسية تُبنى عبر مشاورات واسعة ودورٍ محوريّ للضحايا، وشراكاتٍ مع المجتمع المدني والهيئات المهنية، وتواصلٍ عام يشرح الخطوات ويقيّمها. وربطت التوقيت بمبدأ “العدالة وهي تعمل”، أي بدء إجراءات ملموسة مبكّراً حتى قبل اكتمال الإطار الدستوري، شرط ألا تُهدَر المعايير أو تُفرَّغ من محتواها.
خلاصة الطريق
خلصت الورقة إلى أن نجاح المسار السوري يتوقف على رؤيةٍ تعتبر الإصلاح المؤسسي ضمانةً لعدم التكرار، لا مكافأةً لتفاهمات سياسية عابرة. وأعادت التأكيد أن الإصلاح المؤسسي في العدالة الانتقالية هو جسر العبور من مؤسساتٍ وُظّفت للقمع إلى مؤسساتٍ تُسائل وتَخدم وتَحمي، وأن هذا الجسر لا يقوم إلا على مشاركة الضحايا واستقلال القضاء وخضوع الأمن للقانون وقيام رقابةٍ حيّة لا تخشى الحقيقة.
اقرأ أيضاً: تطلّعات السوريين الاقتصادية بعد التغيير: ما هي أولويات المرحلة الجديدة؟