تختلف تسميه الفستق الحلبي في سوريا بين الذهب الأخضر والذهب الأحمر، لكن يجمع السوريون على أنه ذهب وكنز لسوريا، كنز بفوائده ودَخله، فهو من أهم المحاصيل الزراعية في البلاد لاسيما في ريف محافظة حماة مدينة “مورك” تحديداً، فهو عَصب محاصيلها الزراعية وأساس خيراتها الانتاجية، ويشكل جزء لا يتجزأ من الهوية الزراعية والاقتصادية للبلاد.
ما يميز شجرة الفستق الحلبي، قدرتها على التأقلم مع الظروف المناخية الصعبة والقاسية فهي تنمو في مناطق قاسية المناخ مثل: مورك، كفر زيتا، الطيبة، يتم تصدير الفستق الحلبي بشكل سنوي وهو واجهة سوريا في المكسرات ويشهد إقبالاً محلياً وفي سوق التصدير.
في هذا المقال سنتناول مناطق زراعته وانتشاره، كم عدد صادراته وإنتاجه، ولماذا يسجل تراجعاً في هذا العام؟
أماكن زراعة وانتشار الفستق الحلبي في البلاد
تنتشر زراعة شجرة الفستق “الشجرة الذهبية في تربة فقيرة”، ذات العناقيد المكونة من الحبوب الكستنائية اللون، والتي تحصد مع بداية شهر آب من كل عام. تزرع هذه الثمرة بشكل أساسي في محافظة حلب شمال سوريا، التي يشتق اسمه منها، وفي إدلب وحماة، حيث يعد من أبرز محاصيل بلدات معان وصوران ومورك “خزان الفستق الحلبي” في سوريا.
تتوزع المساحة المزروعة على 6 محافظات، منها 23.5 ألف هكتار في حلب، و21.3 ألف هكتار في حماة، و981 هكتاراً في حمص، و3031 هكتاراً في ريف دمشق، و676 هكتاراً في السويداء، في حين تتوزع باقي المساحات في الحسكة والرقة والغاب ودير الزور. يبلغ عدد أشجار الفستق الحلبي الكلي في البلاد نحو 9.7 مليون شجرة، منها 7.7 مليون في مرحلة الإثمار.
تأتي حماة بالمركز الأول بالإنتاج بكمية تتخطى 17.82 ألف طن، تليها إدلب بكمية بحوالي 11.4 ألف طن، ثم حلب بنحو 2758 طن، وحمص 756 طن، والسويداء 379 طن، والغاب 143 طن، ودرعا 21 طن.
تشكل الأشجار المثمرة الرئيسية في سوريا مثل الفستق الحلبي والبرتقال والليمون والزيتون والتفاح والمشمش وأنواع أخرى من الحمضيات، مجالاً مهماً للقطاع الزراعي، تماماً مثل زراعة الحبوب والبقوليات، قبل الحرب كانت سوريا تنتج ما يصل إلى 80 ألف طن من الفستق بشكل سنوي وهو رقم كبير، وانخفض إلى النصف خلال الحرب، حسب تقديرات وزارة الزراعة السورية.
يُعرف الفستق في سوريا بـ “الذهب الأحمر” تبعاً لارتفاع أسعاره وأهميته في قائمة الصادرات السورية، في عام 2013 كانت سوريا لا تزال رابع أكبر منتج للفستق في العالم، حسب منظمة الأغذية والزراعة (فاو).
اقرأ أيضاً: شتلات زيتون درعا.. أسعار منخفضة وإنتاج شحيح
صادرات الفستق الحلبي للموسم الماضي من العام 2024
سُجل إنتاج قياسي من الفستق الحلبي لموسم 2024، حيث بلغت التقديرات النهائية نحو 83796 طناً، مقارنة بالتقديرات الأولية التي كانت تقدر بـ 77301 طن، وبلغت المساحة المزروعة حوالي 60595 هكتاراً، أيّ ما يعادل 6% من إجمالي المساحة المزروعة بأشجار الفاكهة في البلاد. ويبلغ عدد أشجار الفستق الحلبي في سوريا 9705900 شجرة، منها 7635900 شجرة مثمرة.
كما سجلت المساحات المروية من الفستق الحلبي العام الماضي، حوالي 10% من إجمالي المساحة المزروعة، واعتبرت محافظة حلب الأولى من حيث المساحة المزروعة، تلتها حماة ثم إدلب ثم ريف دمشق، كما انتشرت زراعة الفستق الحلبي مؤخراً في محافظات حمص والسويداء ودرعا.
أما الصادرات لموسم 2024، تم تصدير 2,207,722 كيلو من الفستق القلب، و263,776 كيلو من الفستق بقشره، بالإضافة إلى 207,753 كيلو من الفستق الأخضر إلى عدد من الدول العربية والأوروبية والآسيوية، على رأسها مصر والسعودية والأردن والجزائر وألمانيا وإندونيسيا والهند. حُددت أسعار الفستق الحلبي في السوق المحلية العام الماضي، للفستق الأخضر حدد سعر بلغ 3.6 دولارات، ومن القلب (قلب الفستق) 28.17 دولاراً، ومن الفستق المسحوب ما بين 8.5 و 10 دولارات.
في العام الحالي 2025 توقع مدير مكتب “الفستق الحلبي” في سوريا “محمد هواش” أن يتراجع إنتاج المحصول إلى ما دون النصف، مقارنة بالعام الماضي الذي بلغ إنتاجه نحو 84 ألف طن، وأَرجع هذا الانخفاض إلى الجفاف الذي ضرب المنطقة، إلى جانب انخفاض مستوى دخل المزارعين، ما أدى إلى عدم قدرتهم على تقديم الخدمات الزراعية بالشكل الأمثل.
ناهيك عن أن ما يزيد الضغط على الموسم الحالي، تعثره بفعل انتشار الأمراض والآفات الزراعية، مثل حشرة “الكابنودس” التي دمرت العديد من الأشجار، خاصة في ريفي حماة وإدلب، وأضرار أشجار الفستق الحلبي التي تم حَصرها في المحافظات بسبب الأزمة، بلغت أكثر من مليون شجرة متضررة على مساحة تصل إلى 70 ألف دونم، حسب تقارير مديريات الزراعة في المحافظات.
اقرأ أيضاً: الزيتون السوري.. من الاكتفاء إلى الانهيار
أصناف الفستق الحلبي السوري وظروف زراعته والتحديات
شجرة الفستق الحلبي من الأشجار المميزة بتنوع أصنافها المختلفة، ما يعكس تنوع الطبيعي والزراعي في المناطق السورية. من بين الأنواع الأكثر شهرة نجد: الفستق “العاشوري”، الذي يمتاز بحبته الكبيرة وطعمه الشهي، يصنف على أنه من أفضل الأنواع للاستهلاك الطازج. هذا النوع يتميز كذلك بإنتاجيته العالية ومقاومته للأمراض، مما يجعله خياراً مفضلاً لدى المزارعين.
النوع الثاني: “ناب الجمل” يتميز بحبته الكبيرة ولونه الأخضر الفاتح، له طعم فريد ومستساغ بنكهته الخاصة، مما يجعله مفضلاً في صناعة المعجنات والحلويات، كما أن هذا النوع يعد غالباً خياراً مثالياً لتحميصه وتناوله كوجبة خفيفة.
النوع الثالث: “الفستق الباتوري”، يتميز بطعمه الغني ومذاقه المعتدل، كذلك يمتاز بحجم حبته المتوسط ولونه الأخضر المشوب بالأحمر يفضله البعض لاستخدامه في الحلويات الشرقية مثل البقلاوة نظراً لطعمه الغني وقدرته على الاحتفاظ بنكهته الفريدة بعد الطهي.
النوع الرابع: “الفستق العجمي” يمثل هذا النوع خياراً جميلاً للاستهلاك اليومي وتناوله في الوجبات الخفيفة.
النوع الخامس: “الفستق المراوحي” يتميز بطعم فريد يختلط بين الحلو والمالح، وحبة متوسطة الحجم، ويعتبر مناسباً لاستخدامه في الأطعمة المالحة والحلوة على حد سواء.
النوع السادس: “الفستق العليمي” بطعمه مميز وحبته الصغيرة نسبياً.
النوع السابع: “الفستق البندقي” مميز بحبته الدائرية الصغيرة ولونه الأخضر الداكن.
النوع الأخير: “الفستق الجلب الأحمر” المميز بلونه الأحمر اللافت وطعمه الغني، يُستخدم في تصنيع المنتجات الفاخرة من الحلويات والمعجنات.
هذه الاختلافات بين هذه الأنواع لا تشمل فقط الطعم والحجم، بل تتعدى ذلك لتشمل أيضاً طرق العناية والزراعة المناسبة لكل نوع لتحقيق أقصى إنتاجية وجودة.
الظروف المناخية والتربة لهما دور حاسم في زراعة شجرة الفستق الحلبي، فتوافر الشروط المناسبة يمكن أن يؤدي إلى نمو أشجار صحية وإنتاج محاصيل وفيرة، المنطقة الجغرافية لزراعة الفستق مهمة للغاية، إذ يحتاج هذا النوع من الأشجار إلى مناخ يتيح لها النمو بشكل أفضل، مثل: درجات الحرارة المعتدلة، والرطوبة المنخفضة، والتربة الجافة هي العوامل المثالية لزراعة هذه الشجرة.
شجرة الفستق تتحمل الجفاف والحرارة المرتفعة، لذلك يمكن زراعتها في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، لكنها تحتاج إلى فترة طويلة من البرودة الشتوية التي تساعد على كسر فترة السكون وتحفيز النمو، وإن درجات الحرارة التي تتراوح بين 20 و30 درجة مئوية خلال فصل الصيف تعتبر مثالية لنموها وإنتاج الثمار بجودة عالية.
من ناحية التربة، التربة الرملية الطينية من الترب الممتازة لزراعتها، حيث توفر لها التهوية الجيدة والتصريف الفعّال للمياه، ويحسب لهذه الشجرة تأقلمها مع طيف واسع من أنواع التربة مع وجود شرط جوهري ألا وهو أن تكون التربة جيدة التصريف.
حسب خبراء الزراعة، يعتبر “الأس الهيدروجيني للتربة” (pH) أمراً أساسياً يجب الالتفات إليه، حيث تفضل شجرة الفستق الحلبي التربة ذات الحموضة المعتدلة (pH بين 6 و7.5)، بالإضافة إلى غنى التربة بالمعادن والعناصر الغذائية مثل البوتاسيوم والفسفور ما يعزز من نمو الشجرة ويحسنه.
في سياق الظروف المناخية والطبيعية، هناك عوامل إلى جانب الجفاف ونقص الرّي تهدد زراعة الفستق الحلبي، تتمثل بحالات التجمد والبرد القارس، ما يتلف الأنسجة النباتية، إلى جانب تهديدات الآفات الزراعية والحشرات، كلها عوامل يمكن لها أن تطيح بإنتاج الشجرة.
اقرأ أيضاً: القطن السوري يحتضر.. والمزارعون ينتظرون الفرج!
ختاماً، الفستق الحلبي محصول استراتيجي في سوريا ومتصّدر للصادرات الرئيسية في البلاد، ما ينعكس على الاقتصاد الوطني، فيجب تكثيف الاهتمام بأشجاره ومكافحة العوامل التي يمكن أن تضر بها، كما يجب بذل الجهود لتحسين إنتاج الموسم الحالي من هذا المحصول الهام، نظراً لما يشكله من قيمة زراعيّة اقتصادية وغائية في آن معاً.