أخبار العالم

المخرج عروة الأحمد: نجاح السينما المستقلة يُحسب لصناعها ونحتاج للمواطنة حالياً

المخرج عروة الأحمد: نجاح السينما المستقلة يُحسب لصناعها ونحتاج للمواطنة حالياً

حاورته: هلا يوسف

في عام تملؤه التجارب السينمائية العالمية البارزة، يبرز اسم المخرج السينمائي السوري عروة الأحمد كأحد أعلام السينما السورية المستقلة في الخارج، لتجسّد لنا قصصاً واقعية وإنسانية أثرت في قلوب مشاهديها. ومن مدينة حمص مروراً بدبي وبيروت ثم فرنسا، استطاع عروة أن يترك بصمته في كل محطة وقف فيها، لتكون زاداً لمسيرته التي توّجت بعدد من الجوائز، وكان آخرها فيلم “زحمة”.

في هذا الحوار سنسلط الضوء عليه كشاب أبدع في صناعة السينما السورية، وسبر أغوار رحلة المجهول للكثير من السوريين اللاجئين في بلدان العالم، لينقل لنا تجربة نفسية عميقة في فيلم “زحمة”، كما سنكتشف عروة الإنسان والفنان، ورؤيته لواقع السينما السورية الآن.

1. بداية للأشخاص الذين لا يعرفون المخرج عروة الأحمد، كيف تعرفهم بنفسك؟

أنا عروة الأحمد من مواليد مدينة حمص، مقيم في فرنسا، كاتب ومخرج سينمائي، وعملت في الإعداد والتقديم التلفزيوني.

2. بعض اللحظات تخلد في ذاكرتنا، وخصوصا لحظات حصد ثمار مشروع بذلنا فيه جهداً. كيف كانت لحظة إعلان فوز فيلمك وهل كنت تتوقع الفوز، ومن أول شخص شاركته هذا النجاح؟

بلا شك مع ازدياد الخبرة تزيد معرفة المخرج باحتماليات النجاح ونوعيته، فيصبح من السهل معرفة أن مشروعاً قد يحقق نجاحاً جماهيرياً، وآخر سيقتصر على جمهور المهرجانات والنقاد والجائزة بحد ذاتها ليست تقييماً كافياً للعمل الفني لكنها تعطي المخرج شعوراً بصوابية خياراته على الأقل.

وأول من أشاركهم خبر الفوز بالجوائز هم فريق العمل بالطبع.

3. طريق الإخراج صعب، كيف بدأت هذا الطريق، وما أكبر تحدّ شخصي واجهته في رحلتك كمخرج؟

الإخراج مجال شاق لأنه يتطلب خبرة تراكمية ومخزوناً معرفياً متنوعاً. لا يكفي أن يكون المخرج أكاديمياً يلم بأساسيات التصوير والإخراج فحسب، بل عليه أن يمتلك أدوات إعداد الممثل والإلمام الكافي بالتصوير، والإضاءة، والمونتاج، وكل مراحل صناعة العمل السينمائي، إضافة لقدرته على فهم النص وتفكيكه، وتحليل الشخوص الموجودة فيه.

لم أدرس الإخراج السينمائي ولم يكن هذا المجال موجوداً في سوريا، دفعتني الرغبة إلى دخول عالم الأفلام، وكانت التجربة هي المدرسة الكبرى، كنت أقوم بتشريح الأفلام، ومقارنة مدارس الإخراج، وأول بداية احترافية لي في هذا المجال كانت في دبي عام 2015 حين تم اختياري لأكون مخرج كرنفال كأس العالم للخيول الذي تخلله فيلم سينمائي من صناعتي. وأول فيلم تناول مشاكل السوريين كان “رسالة أخيرة” الذي عرض على قناة BBC عربي لمدة عام كامل، كما غطته منصات إعلامية عديدة كالعربية الحرة، مونتي كارلو، وشبكة التلفزيون العربي.

4. أحياناً نجد الإلهام والدافع من أشخاص مقربين منا وأحياناً من أشخاص بعيدين. من هم الأشخاص أو التجارب التي تعتبرها مصدر إلهامك؟

قد يأتي الإلهام من أي شيء يحيط بي، أنا بطبيعتي مراقب دقيق يُمعن في التفاصيل. قد تنبثق الفكرة من موقف عابر أو من مشهد يومي، وأرى الواقع كأنه شريط سينمائي طويل. أراه من خلال احتكاكي بالناس في الشارع أو المواصلات العامة، بل وحتى من مراقبة أبسط الأشياء كتصرفات البشر وردود أفعال الحيوانات. فالمخرج، في جوهر عمله، يجب أن يكون مراقباً جيداً، لأن الفكرة قد تولد من ومضة أو خاطرة عابرة تطبخ على مخل، ثم تنضج وتتحول إلى مشروع مكتوب.

وأتحدث هنا عن المخرج الكاتب أو “صانع الأفلام”، وهو الإطار الذي أضع عملي ضمنه.

5. “آرام” الشخصية التي تدور حولها قصة الفيلم، وتعيش حالة من الصراع بين ذكريات الماضي والواقع الحالي، كم تشبه عروة الأحمد؟ وهل عشت المنفى بمعناه الكامل، أم كان هناك من شاركك غربتك؟

يتقاطع آرام مع العديد من السوريين، فهو مواطن سوري معارض للنظام اضطرته الظروف إلى الخروج من بلده خوفاً من الاعتقال، وهذه التجربة تعكس واقع شريحة واسعة من السوريين. أما على مستوى بناء الشخصية الدرامية، فأستطيع القول إن “آرام” يشكل شخصية مركبة يجمع ملامح السوريين الذين خاضوا تجربة اللجوء وما رافقها من غربة وعزلة وانتظار طويل امتد لأكثر من عقد، وصولاً إلى سقوط النظام وما تلاه من أحداث.

من فيلم زحمة للمخرج عروة الأحمد

عروة الأحمد وفيلم زحمة

6. حدثنا عن أصعب التحديات التي واجهتك في صناعة الفيلم الفائز، وكيف استقبل فريق العمل خبر الفوز؟

مرت صناعة الفيلم بمرحلتين، كانت الأولى المشروع تحت عنوان “لوز مر”، ثم ارتأيت لاحقاً إعادة تصوير المشاهد في موقع آخر، واستغرق العمل قرابة سنتين كاملتين ليبصر النور، وقد شكلت الظروف المناخية واحدة من أصعب التحديات التي واجهتنا إضافة لبناء شخصية آرام الذي يرتكز عليه ثقل العمل لأن “زحمة من النصوص التي تعتمد على البطولة الفردية، وقد بذل الممثل علي إبراهيم جهداً كبيراً في بناء الكراكتر والهوية النفسية له، كانت شراكتنا في صناعة آرام مثمرةً، ويستحق كل الوقت والجهد الذي صرفناه.

7. تجاربنا المهنية السابقة تصقل مسيرتنا ماذا تعلمت منها؟ وما هي القضايا أو الرسائل التي تسعى لإيصالها من خلال أفلامك؟

كانت بداياتي المهنية في مجال إعداد البرامج التلفزيونية مع شركة Magic Group | وهي شركة انتاج تنفيذي في بيروت، حيث أعددنا برنامجاً لقناة أبو ظبي بعنوان “زيرو”. تلا ذلك عملي في إعداد برنامج تلفزيوني قدمه النجم المصري مصطفى شعبان الصالح شركة “إندي مول”، عُرض على قناتي أبو ظبي والحياة المصرية تحت اسم ” السد”، وهو النسخة المعربة من برنامج أميركي يحمل اسم Facing the .hundred

بعدها عدت إلى مدينتي حمص عام 2010 حيث كتبت كوميديا سوداء سياسية بعنوان “ما في أمل” وبدأت التحضير لإخراجها، أنتجها يامن الشامي وجمعت ما يقارب 26 ممثلة وممثل تم اختيارهم من ضمن تجارب أداء أقمتها في مدينة حمص، تميز بكونه جمع ممثلين من خلفيات متباينة، وأعمار مختلفة.

قادني مسار عملي لاحقاً إلى دبي، حيث أعددت و قدمت برنامج “شير” على قناة أورينت عام 2012 وكان أول “توك شو” سوري معارض النظام الأسد، كما توليت الإخراج العام لكرنفال كأس العالم للخيول 2015، ثم خضت تجربة ستاند أب كوميدي من خلال عرض “نايلون” على مسرح مول الإمارات، تلاه عرض One Man Show بعنوان “هو الحب”.

أما في الإخراج السينمائي، فكانت بدايتي في أوروبا مع فيلم “ذاكرة مالحة”، ثم “رسالة أخيرة”، “سجون غير مرئية”، الفيلم الوثائفي الطويل “نجوت مصادفة” ثم “إعادة تدوير”، “One Night Stand”، وأخيراً الفيلم الروائي الطويل “زحمة”.

8. وجهت شكر خاص للفنان اللبناني فضل شاكر لماذا؟

إضافةً لكوني من محبي الفن الذي يقدمه فضل شاكر، وجهنا له شكرنا لأن فيلم “زحمة ” يتضمن أغنية له، إضافةً لكونه شخصية متعاونة ومتواضعة وكذلك قدمنا الشكر للإعلامي حسين الشيخ الذي أعلن خبر سقوط النظام وهروب بشار الأسد على العربية والذي بدوره كان متعاوناً معنا في تزويدنا بالمواد الخاصة لمشهد هروب بشار الأسد من دمشق، وإعلان سقوط النظام، ودخول سوريا في حقبة زمنية جديدة.

بوستر فيلم زحمة للمخرج عروة الأحمد

9. يعاني العالم العربي من مشكلة سينمائية عموما تظهر بسيطرة السينما التجارية على المشهد العام. يعني هذا أن فكرة النقد والنقاد التي تدفع السينما للأمام غير موجودة، وأن الأفلام المستقلة ليس لديها سوى مكان ضئيل. ما رأيك بهذا الأمر وكيف يمكن تخطيه؟

النجاح في السينما المستقلة يُحسب لصناعه، أما صناعة السينما العربية فيغلب عليها الطابع التجاري إلا ما ندر، ويعود ذلك، في رأيي، إلى عدة عوامل، أبرزها خوف المنتجين من الاستثمار في أعمال نوعية قد لا تحقق أرباحاً.

وأعتقد أن حل هذه المشكلة يكمن في وجود هيئات ثقافية ممولة من قبل الدولة، ووجود منتجين يجمعون بين الجرأة والثقافة في آن، بما يتيح تحقيق التوازن بين تقديم أفلام مسلية – فالتسلية أحد أهداف السينما – ومنحها في الوقت نفسه قيمة نوعية. لذلك، من المهم إنتاج أفلام ترفيهية عالية المستوى، وآمل أن نتمكن من تأسيس خط سينمائي عربي يركز على هذا النوع من الأعمال.

10. برأيك ماذا تحتاج السينما السورية لتتطور؟ وهل نحن على الطريق الصحيح اليوم؟

أعتقد أننا بحاجة إلى شركات إنتاج ضخمة وخبراء متخصصين، فحين نتمعن في السينما العالمية نجد أن وراء مسيرة نجاحها شركات إنتاج كان لها باع طويل في رحلة صناعة السينما، وعليه فإن نجاح عمل فردي لا يعني بالضرورة نجاح مؤسسة السينما، فمثلاً، نجاح المخرجة نادين لبكي لا يعني أن السينما اللبنانية ناجحة ككل لأن ذلك يستلزم وجود مشروع سينمائي جماعي يتجاوز المشاريع الفردية، كذلك الذي صنعته السينما الإيرانية مثلاً.

أما بالنسبة لسوريا، عانت السينما السورية لعقود من الإهمال والتهميش الممنهج تحت حكم نظام استبدادي.

لذلك، أرى أن أولوياتنا اليوم يجب أن تتعلق بتطور المجتمع ومؤسسات الدولة، وتحقيق مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان. وعندها، يصبح تطور السينما السورية نتيجة طبيعية لتطور المجتمع.

11. لاحظت من خلال إجابتك ذكر السينما الأمريكية والإيرانية كأمثلة عن السينما العالمية الناجحة، لماذا اخترتهما؟ وأين موقع السينما الأوروبية لكونك قاطن في أوروبا لسنوات؟

لقد ذكرت السينما الأمريكية والإيرانية كنموذجين مختلفين في السينما العالمية، فبينما تمثل السينما الأمريكية القطب الأبرز في الأعمال التجارية تعد السينما الإيرانية أفضل من قدم السينما الواقعية.

شخصياً، أميل أكثر إلى السينما الإيرانية وأعمال عباس كيارستمي، أصغر فرهدي، وجعفر بناهي، الذين أنتجت فرنسا معظم أعمالهم نتيجة معارضتهم للنظام الإيراني. وقد نشأ إعجابي بالسينما الإيرانية منذ مراهقتي لقدرتها على السفر حول العالم وكسب إعجاب جماهير مختلفة. وفي الوقت نفسه يعجبني السيناريو الأمريكي سواء في المسلسلات أو السينما لما يملكه من قوة سردية عالية، بينما تتميز السينما الأوروبية بحساسيتها العالية وكوادر صورتها المميزة.

12. هل يوجد عمل سينمائي قادم؟ وهل فكرت بالعودة إلى سورية للعمل بالإخراج؟

هناك عمل سينمائي أشارك فيه كممثل لا كمخرج، ومن المقرر أن يبدأ تصويره نهاية العام الحالي في النمسا. كما أعمل على إنتاج نسخة مطولة من فيلم “ذاكرة مالحة”.

أما العودة إلى سوريا، فمرهونة بانتهاء المشاريع التي أعمل عليها، وملتزم بها قبل أن يسقط النظام، ولكن بالطبع لا غنى عن العودة إليها.

اقرأ أيضاً: بطل المواي تاي علي درويش: التشامبيون هاوس فريدة وأحلامي كبيرة

اقرأ أيضاً: الكوميديا السورية.. مقاومة ناعمة أم مجرد ترفيه

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.