أخبار العالم

مخلفات الحرب.. صاعق انفجاري في وجه التعافي وإعادة الإعمار

مخلفات الحرب.. صاعق انفجاري في وجه التعافي وإعادة الإعمار

بقلم هلا يوسف

بدأت معركة أخرى تخوضها الحكومة السورية منذ عام تقريباً لإزالة مخلفات الحرب التي تحصد الأرواح باستمرار إلى  يومنا هذا. ولم تكن الأرواح فقط التي تهدر، بل أيضاً الوقت الذي يستشعر دقائقه المواطنون السوريون القاطنون في المخيمات. فعلى الرغم من أن الحرب وضعت أوزارها إلا أن هذه الملف لم يطوى، ووقف عائقاً أمام إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي لعدة أسباب سنشرحها في هذا المقال.

شكل ملف مخلفات الحرب أزمة إنسانية واقتصادية حقيقية، فمن ناحية أدت الألغام والذخائر غير المنفجرة إلى مقتل وإصابة آلاف المدنيين، بالإضافة إلى عرقلة جهود إعادة الإعمار والتنمية المستدامة. ويكشف الواقع الميداني أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية، مع تبني استراتيجيات منظمة وفعالة لإزالة المخلفات وتأمين الأراضي.

تحديات إزالة مخلفات الحرب

أكدت لين البيطار نائبة منسق قسم التلوث بالأسلحة في الصليب الأحمر بسوريا، أن عملية إزالة مخلفات الحرب بطبيعتها بطيئة ومعقدة. يعود ذلك لتنوع المخلفات بين الألغام وبقايا المتفجرات، واختلاف طرق المسح بين التقليدية باستخدام الكواشف المعدنية والميكانيكية الحديثة، بالإضافة إلى صعوبة التضاريس الجغرافية وكثافة الأنقاض التي تتطلب معالجة حذرة قبل بدء إزالة المخلفات.

وأضافت البيطار أن هذه المهمة تحتاج إلى كوادر بشرية متخصصة ومدربة، غير أن توافر هذه الكوادر محدود حالياً، علاوة على قلة المنظمات العاملة في سوريا. وبينت أن التمويل المخصص لهذه العمليات يتراجع سنوياً، رغم توافد بعض المنظمات خلال المراحل الحالية، وهو ما يجعل حجم الدمار والمسوحات المطلوبة أكبر من قدرات الجهات القائمة على الإزالة.

وبحسب البيطار، فإن سوريا من أكثر الدول تلوثاً بالأسلحة، حيث تعرض أكثر من 14 مليون سوري للخطر بسبب الذخائر غير المنفجرة، مع تسجيل أكثر من 1,600 ضحية خلال عام واحد، وما يزيد عن 7,500 ضحية بين 2019 و2025، ثلثهم من الأطفال. هذه الأرقام تظهر أن الأطفال والمدنيين يمثلون الفئات الأكثر تضرراً، سواء من ناحية الإصابات أو الآثار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد.

جهود الجهات العسكرية والمدنية

تحاول الجهات الحكومية القيام بدورها ضمن الإمكانيات المتاحة، فقد قامت أفواج الهندسة العسكرية في الجيش العربي السوري بتفكيك أو إتلاف أكثر من 110 آلاف من الألغام والمخلفات الحربية منذ بداية عام 2026، شملت ألغاماً حربية متنوعة، وعبوات موجهة وآليات مفخخة، وذخائر غير منفجرة. كما تم تأمين معابر حدودية ومدارس وجسور ومناطق صناعية وزراعية، بالإضافة إلى تفكيك الأنفاق المفخخة وتأمين جسور على نهر الفرات، منها جسر قره قوزاق.

ورغم هذه الجهود، سجلت الإحصاءات 9 شهداء و66 مصاباً بين صفوف أفواج الهندسة، بينهم 21 إصابة أدت إلى إعاقة دائمة. وتضررت 8 كاسحات ألغام خلال العمليات، مما يوضح حجم المخاطر التي تواجه العاملين في هذا المجال.

كما أشار تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من عقد على اندلاع النزاع، لا تزال سوريا من بين أكثر الدول تلوثاً بمخلفات الحرب، مع انتشار واسع للألغام الأرضية والذخائر العنقودية، خصوصاً في المناطق الشمالية الغربية مثل إدلب وريف اللاذقية، بالإضافة إلى مناطق مثل دير الزور وحلب وحمص التي سجلت أعلى نسب الإصابات.

الآثار الإنسانية والاجتماعية

تؤكد التقارير أن التلوث بالألغام والذخائر غير المنفجرة يترك آثاراً تتجاوز السلامة الجسدية. فالضحايا غالباً ما يعانون من إعاقات دائمة، وصدمات نفسية، وتهميش اجتماعي واقتصادي. كما تعرقل المخلفات الحربية عودة النازحين وإعادة إعمار البنية التحتية، وتحد من الوصول إلى الأراضي الزراعية، ما يزيد من حدة انعدام الأمن الغذائي والفقر.

وينحصر أثر الأزمة بشكل خاص على الأطفال والنازحين العائدين، والعمال الزراعيين والرعاة، الذين يتعرضون لخطر مباشر بسبب الحاجة لاستخدام الأراضي والطرق الملوثة. كما أن انتشار المخلفات في تضاريس متنوعة من الأراضي الزراعية في حوض الفرات إلى المناطق الجبلية الساحلية يزيد من صعوبة المسح والإزالة.

وهنا لا بد من تذكر قوانين المجتمع الدولي إطارين الخاص بالتعامل مع آثار الألغام والذخائر العنقودية،  حيث عقدت معاهدة أوتاوا عام (1997)، ونصت على حظر استخدام وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد، وإلزام بإزالتها من الأراضي المتضررة. بالإضافة إلى اتفاقية الذخائر العنقودية عام (2008) التي تحظر الاستخدام الشامل للذخائر العنقودية بسبب مخاطرها العالية.

غير أن سوريا ليست طرفاً في هاتين الاتفاقيتين، مما ساهم في الاستخدام المكثف لهذه الأسلحة خلال سنوات النزاع. ويؤكد الخبراء أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إنشاء آلية وطنية لتنسيق إزالة الألغام وإدارة البيانات المركزية، ودعم دولي مستدام لتوفير المعدات المتخصصة والتدريب الفني والتمويل، وإنشاء برامج شاملة لمساعدة الضحايا وإعادة التأهيل.

ختاماً، يبقى ملف مخلفات الحرب نقطة البداية للدخول في مرحلة إعادة الإعمار، وهذا ما قد يبرر منع الحكومة السورية المواطنين من الدخول إلى بعض الأحياء، والبدء بإعادة إعمار أرضهم حتى ولو على حسابهم الخاص، فسلامة الإنسان تسبق أي محاولات لإنعاش الحجر.

اقرأ أيضاً: في اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام.. إلى متى سيرافق الموت السوريين؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.