روايات

معلولا سوريا العتيقة… رحلة عبر الزمن بين الجبال والقداسة

معلولا سوريا العتيقة… رحلة عبر الزمن بين الجبال والقداسة

مدينة تختزن التاريخ ويفوح منها عبق القداسة إنها “معلولا”. على سفوح جبال القلمون تحتضن الصخور بلدة صغيرة تبدو كأنها لوحة معلقة ما بين السماء والأرض. بيوتها بيضاء كقلوب سكانها، متدرجة على الجبل تنسج حكاياه وبحجارته تتجذر. أما كهوفها فهي ذاكرة التاريخ فمعلولا هي سوريا العتيقة.

حكاية روح ما زالت تنطق بلغة المسيح، آرامية الهوى تشهد لها أديرتها وكنائسها على الإيمان العتيق والتاريخ الأصيل. فمعلولا بوابة التاريخ والشاهدة على الماضي ومنارة الحاضر.

مدينة معلولا في سوريا موقعٌ يحتضنه الجبل

تقع هذه البلدة الوادعة على بعد ستة وخمسين كيلومتر تقريباً، إلى الشمال الشرقي من مدينة دمشق في سوريا، بين السلسلتين الجبليتين الثانية والثالثة من منطقة القلمون، في قلب جبل معلولا الذي ترتفع قمته إلى 1913متر.

مرت بها العديد من الحضارات وتركت آثارها، فمعلولا مزيج من الآرامية واليونانية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية، واكتسبت معالمها شهرة عالمية واسعة، أهمهما المعلمان الأثريان “دير مار تقلا، ودير مار سركيس”، اللذان صنّفتهما منظمة الأمم المتحدة (اليونسكو) على أنهما من أهم وأقدم الآثار المسيحية في العالم المسيحي الشرقي.

يذكر أنّ اسم (معلولا) ورد بهذا اللفظ نفسه في كتاب كنسية قديمة وفُسر بمعنى: “المدينة الغنيـة الجميلة”. وذكرها الفلكي والجغرافي اليوناني بطلميوس الكلودي (90 – 168م) في جغرافيته، ودعاها باليونانية “كليما ماغلوللون” لأنه لم يكنْ في اللغة اليونانية حرف العين (ع) استخدم في لغته حرف الغين (غ) ولهذا فهي تلفظ بالعربية “معْلول”.

أما في عهد اليونانيين والرومانيين أطلق على معلولا اسم “سكوبولوسا”، ويعني “الموعرة المحجرة” لوعورة مسالكها، وكثرة الصخور فيها، وأطلق هذا الاسم على كل المقاطعة شمال شرق دمشق “الشام الوعرة”، والعرب أسمتها “النَشِطَة” أو “النشيطة” بفعل جفاف مناخها واعتداله، وعذوبة مائها. وأطلق عليها كذلك “سلوكية الشام” أو “سلوقية قلمون”.

اقرأ أيضاً: تاريخ سوريا المنهوب: تهريب الآثار “موضة” قديمة متجددة ومساعٍ حكومية للحل

أبرز معالم بلدة معلولا الأثرية والسياحية

  • فج مارتقلا

الفجّ أو كما يعرف محلياً “فجّ مار تقلا”، من المعالم السياحية البارزة في البلدة وأكثرها جذباً لزائريها، وهو شق صخري شاهق يشكّل ممرً ضيق من طرف الجبل الذي تتربع عليه البلدة، إلى طرفه المقابل، ويقسمها إلى شطرين، يتميّز هذا الفجّ من بدايته حتى أعلى الجبل بوجود الغرف والخلوات المحفورة بالصخر وعلى مستويات مختلفة، بما يشكّل إحدى العجائب الطبيعية التي يمكن أن يراها الزائر في هذا المكان.

حسب الرواية الشعبية، فقد نشأ الفجّ حين هربت القديسة “تقلا” من حكم الموت الذي صدر بحقّها في الأيام الأولى لفجر المسيحية، فكانت العجيبة أن انشق الجبل الصخري فأبقى الفتاة الهاربة “مار تقلا” في شطر، والجنود الرومان في الشطر الآخر.

فج مارتقلا

  • دير مار سركيس وباخوس

تم تشييده في القرن الرابع الميلادي على بقايا معبد “روماني” قديم، وبجانب الدير توجد كنيسة “مار سركيس” وهي عبارة عن مصلى صغير فيه عناصر معمارية قد تعود إلى العصر البيزنطي، من أقدم الكنائس ليس في معلولا فحسب، بل في سوريا والعالم. حافظت هذه الكنيسة على ما كانت عليه منذ إنشائها في الفترة من 312 – 325 للميلاد، بعد صدور المرسوم القسطنطيني الذي سمح بالحرية الدينية، وحرية المعتقد.

تقع في أعلى الجرف الصخري التابع للبلدة. ويذكر أنّ سركيس (أو سرجيوس) وباخوس كانا قائدين عسكريين أصلهما من مدينة سرجيو بوليس “الرصافة” رفضا العودة إلى العقيدة الوثنية، بعد أن اعتنقا المسيحية واستشهدا من أجلها في عهد “ماكسيمانوس” في سنة 297ميلادي. وتحتفظ هذه الكنيسة ببعض الأيقونات العائدة إلى القرن الثالث عشر الميلادي. ويلاحظ وجود بقايا أضرحة قديمة منحوتة.

دير مار سركيس وباخوس

  • دير مار تقلا

كهف الدير التاريخي المشهور هو من يستقطب الزوار، إذ يعتقد البعض بأنّ القديسة تقلا  تلميذة القديس “بولس” عاشت وماتت فيه. يصله الزائرين من خلال الأدراج والمصاطب الصخرية، وأمام الدير يقع (الفجّ الصخري الرائع). الفجّ الشرقي وهو الممرّ القديم الوحيد الذي كان يربط بين دير “مار تقلا” ودير “مار سركيس” في الأعلى، وليس هناك من دليل على أنّ هذا الدير يعود إلى الفترة البيزنطية وربما يعود إلى القرن 18 ميلادي.

إلى جانب هذه المعالم البارزة يوجد معالم أخرى تزين البلدة العتيقة منها: كنيستا مار إلياس ومار لاونديوس تعودان إلى القرن الخامس أو السادس الميلادي. وقد عُثر في كنيسة مار إلياس على موزاييك يعود إلى القرن الرابع الميلادي، إضافة إلى الكنائس “المغاور”، وهي نفسها معابد “إله الشمس” التي تحوّلت مع انتشار النصرانية إلى معابد للمسيحيين.

اقرأ أيضاً: قلعة القوز احتضان للتاريخ وحكايات مع البحر

معلولا سوريا تستعد لتكون على لائحة التراث العالمي

في 4 أيار الفائت من العام 2025، قام المدير العام للآثار والمتاحف الدكتور “أنس حج زيدان”، بزيارة تفقدية إلى بلدة معلولا بريف دمشق، لمعاينة معالمها الأثرية والتاريخية عن قرب، وذلك للإشراف على الملف التحضيري لترشيح البلدة لقائمة التراث العالمي.

تعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا في الوقت الحالي على إعداد الملف التحضيري اللازم لترشيح موقع “معلولا” الأثري لإدراجه على لائحة التراث العالمي، وذلك بالتعاون مع الجهات المختصة والمجتمع المحلي، وتحت إشراف خبراء من منظمة “الإيكوموس” الدولية. هذا المسعى يهدف إلى تعزيز مكانة سوريا كوجهة تراثية عالمية بارزة.

يذكر أن سوريا تضم سبعة مواقع مسجلة على لائحة التراث العالمي، كان آخرها المدن المنسية في إدلب وحلب، والتي تم تسجيلها في عام 2011.

بدوره مدير عام الآثار والمتاحف أشار إلى أن إدراج معلولا على اللائحة، سيسهم في تعزيز حضور سوريا على خارطة السياحة الثقافية الدولية، لاسيما وأنها تضم مواقع استثنائية تعكس التنوع الحضاري والعمق التاريخي للمنطقة. تأتي هذه الخطوة ضمن خطة وطنية لإعادة الاعتبار للمواقع التراثية التي تضررت خلال سنوات الصراع الماضية، والعمل على صونها وتوثيقها، بما يُكرّس دور سوريا كمنارة حضارية تمتد جذورها إلى آلاف السنين.

اقرأ أيضاً: الآثار السورية: مسيرة طويلة من التهريب والتخريب

ختاماً، معلولا تلك البلدة القابعة في ذاكرة التاريخ، في قلب جبل القلمون في سوريا شامخة حاضنة الحضارة تَقُصُ ملاحم سُطرت فوق حجارتها، تلك البلدة الجميلة الزاهية الذاخرة بالقداسة والروحانية تطل على دمشق لتعانق تاريخها وتخبر العالم أن سوريا مهد الحضارات.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.