بقلم: ريم ريّا
منذ دخول الإرهاب بصورة تنظيم الدولة “داعش” إلى سوريا، واجهت البلاد واحدة من أكثر المراحل عنفاً وتعقيداً في تاريخها الحديث. مرحلةٌ تداخلت فيها الصراعات العسكرية بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة. اتخذت سوريا إجراءات متعددة لمواجهة التنظيمات المصنفة إرهابية، شملت عمليات عسكرية، وخططاً أمنية. إلى جانب تعاون إقليمي ودولي كان متفاوتاً. في الوقت نفسه، تكشّفت آثار الحرب على المجتمع السوري، حيث برزت تحديات إعادة الاستقرار، ومكافحة التطرف، وإعادة الإعمار في بيئة مثقلة بالدمار والنزوح. يعرض هذا المقال مسار المواجهة ضد الإرهاب في سوريا، ويستلهم من السعودية كنموذج لمكافحته.
آخر مستجدات مكافحة الإرهاب في سوريا
في الأيام الماضية، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن تفكيك خلايا لتنظيم “داعش”، وذلك ضمن عملية أمنية واسعة في عدة محافظات، وأسفرت العملية عن إلقاء القبض على عناصر مطلوبة، وضبط مواد وأدلة على ارتباطهم بأنشطة إرهابية.
قالت الوزارة في بيان: “نفّذت وحداتنا الأمنية، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، عملية أمنية واسعة استهدفت خلايا إرهابية تابعة لتنظيم داعش في عدد من المحافظات”. وبينت أن ذلك تم استناداً إلى معلومات استخبارية دقيقة، ومتابعة حثيثة لتحركات هذه العناصر على مدى الأسابيع الماضية.
أسفرت العملية عن تفكيك عدة خلايا إرهابية، وإلقاء القبض على العديد من العناصر المطلوبة ولم يتم تحديد عددهم. اعتبرت الداخلية السورية أن هذه العملية تجسّد مستوى التنسيق العالي بين الأجهزة الأمنية، وكفاءتها في التعامل الاستباقي مع التهديدات.
متى دخل الإرهاب إلى سوريا
دخل الإرهاب إلى سوريا عبر تنظيم “داعش” أو ما يعرف بتنظيم الدولة في عام 2013، إذ بدأ بالظهور بشكل واضح في شمال وشرق سوريا بعد توسع نفوذه في العراق، مستغلاً حالة الفوضى في سوريا نتيجة الصراع الدائر آنذاك. وفرض سيطرته على مناطق واسعة.
سيطر على محافظة الرقة السورية وجعلها عاصمة فعلية لدولته المعلنة في سوريا، وبقي يسيطر عليها حتى عام 2017، أي ما يقارب أربع سنوات ونصف.
سيطر حينها الإرهاب على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك أجزاء من محافظات الحسكة ودير الزور، وحمص تحديداً البادية. وقد سيطر التنظيم على حقول نفطية وغازية في كل من الرقة ودير الزور وبعض الحقول الموجودة في الحسكة واستغلها لتمويل وإمداد عملياته العسكرية.
اقرأ أيضاً: هل بدأت معارك سوريا الجديدة ضدّ «داعش»؟
الآلية الحالية لمكافحة الإرهاب في سوريا
في شهر أيار من العام الحالي أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، عن هيكلة جديدة للوزارة، تضمنت استحداث إدارة مكافحة الإرهاب تكون معنية بـ”تفكيك التهديدات الأمنية داخل سوريا من قبل الجماعات التكفيرية، والتنظيمات العابرة للحدود، مؤكداً أنها ستصبح ركيزة أساسية في الأمن الإقليمي والدولي”، حسب قوله.
وأضاف حينها أن سوريا تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالجريمة المنظمة، والجماعات التكفيرية، والتنظيمات الإجرامية العابرة للحدود، لذلك تم استحداث إدارة مكافحة الإرهاب، التي تعنى بتفكيك التهديدات الأمنية داخل سوريا. وبيّن في معرض حديثه أن إدارة الأمن ستكون على تنسيق عالٍ مع جهاز الاستخبارات العامة لتصبح سوريا ركيزة أساسية في الأمن الإقليمي والدولي.
أعلن أمس، وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، أن سوريا وقعت إعلان تعاون سياسي مع التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش. وأوضح المصطفى على منصة “إكس” أن “الاتفاق سياسي، ولا يتضمن حتى الآن أية مكونات عسكرية”، نقلاً عن “رويترز”. وأكد وزير الإعلام أن سوريا شريك في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي.
بالتوازي مع استحداث هذا الجهاز من قبل وزارة الداخلية وتصريحات وزير الإعلام عن الاتفاق، يبرز اسم “جيش سوريا الحرة” كواجهة للتشكيلات العسكرية السورية في مكافحة الإرهاب، بعد سلسلة عمليات مشتركة أجراها مع قوات التحالف الدولي في نشاطها الرئيسي لمكافحة تنظيم الدولة.
هذا التشكيل القتالي همّ بالاندماج في وزارة الدفاع بواسطة مباشرة من المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك كما تقول بعض المصادر الإعلامية، وهناك وثيقة صادرة عن وزارة الحرب الأميركية، تفيد بأن “جيش سوريا الحرة” هو القوة الرئيسية التي تنفذ دوريات، وعمليات مباشرة ضد “داعش” في جنوب شرق سوريا، كما يقوم بدور الحماية لقوات التحالف الدولي في محيط قاعدة التنف، لذلك ستقوم وزارة الدفاع الأميركية بتزويد هذا التنظيم بمعدات إضافية لتعزيز قدراته الأمنية، والتعويض عن الخسائر البشرية والتوسع في العمليات ضمن مناطق كان العمل فيها ممنوعاً في السابق.
فخصصت وزارة الحرب الأميركية “البنتاغون” فيما بعد في مشروع موازنتها لعام 2026 مبلغ 130 مليون دولار لدعم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وجيش سوريا الحرة، وذلك تحت بند صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم الدولة.
وفق تقارير صحفية، فإن مقاتلي جيش سوريا الحرة، ينحدرون من أرياف حمص، وحماة ودير الزور، ويشكلون قوة عسكرية، ذات ثقل ومقبولة في المجتمع المحلي، وفي نفس الوقت لهم علاقاتهم جيدة مع قسد وبالتالي ليس من المستبعد أن يكون لهذه القوات دور مستقبلي مشترك مع قسد في ملف “قوات مكافحة الإرهاب” وتوسيع نطاق عملها الجغرافي إلى أبعد من أرياف دير الزور وحمص ودمشق.
السعودية كنموذج لمكافحة الإرهاب
اعتمدت السعودية استراتيجية ذات أبعاد متعددة لمكافحة الإرهاب، جمعت فيها بين البعد العسكري لضبط الأمن وملاحقة الجمعات التكفيرية المتطرفة، وبين برامج الوقاية وإعادة التأهيل في المجتمع والتي تهدف من خلالها إلى دمج المتطرفين السابقين ضمن المجتمع المحلي وتصحيح الأفكار المتطرفة لهم وتصويب العقيدة إلى مسارها الصحيح.
هذه البرامج شملت التعليم والتدريب المهني والدعم النفسي الإرشادي، وتوفير قاعدة من القبول الاجتماعي، إلى جانب دعم الأفراد الذين أُصلح حالهم اقتصادياً، فضلاً عن الجهود المكثفة في نشر الفكر المعتدل والتوعية الاجتماعية.
يمكن لسوريا الاستفادة من التجربة السعودية من خلال تطبيق برامج إعادة التأهيل والتوعية في المناطق المتأثرة بالنزاع لاسيما التي شهدت انتشار التنظيم، إلى جانب تعزيز الأجهزة الأمنية وتطوير آليات التعاون المحلي والتحرك نحو التعاون الدولي، بما يسهم في الحد من التطرف ومنع عودة الجماعات الإرهابية إلى النشاط. فضلاً عن نشر التوعية وإيضاح خطر الفكر الإرهابي على مختلف فئات المجتمع وعموم البلاد، ومحاولة دعم من سيتم تأهيلهم وفق خطة تقوم على الإرشاد النفسي والمعالجة الفكرية والمساندة الاقتصادية.