أصدرت وزارة التربية قراراً بإحداث صالات للأنشطة المدرسية في المدارس، في خطوة تهدف إلى تعزيز العملية التعليمية وتطوير مهارات الطلاب، فالأنشطة المدرسية كما يعرف جميع القائمين على العملية التربوية والتعليمية، ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أداة فعّالة لتنمية القدرات الذهنية والاجتماعية والبدنية للطلاب، وتعزيز الثقة بالنفس والعمل الجماعي وحل المشكلات. من هنا سنتعرف على هذه الأنشطة وأهميتها، وكيف يمكن الاستفادة من تجارب أخرى «التجربة المصرية نموذجاً» في هذا المجال لنستلهم منها الحلول المناسبة لتطبيق هذه المبادرة في سوريا وضمان تحقيق أهدافها التربوية بشكل مستدام.
كانت وزارة التربية قد أعلنت عن إعداد برنامج أسبوعي للأنشطة المدرسية للمرحلة المحددة، على أن يتم تخصيص حصة دراسية واحدة أسبوعياً لهذه الأنشطة، وكُلفت مديريات الأنشطة والإشراف التربوي ومركز تطوير المناهج التربوية بوضع خطة العمل، وإعداد المناهج الإثرائية، وتنظيم الخطة الدراسية ضمن صالات الأنشطة، إضافة إلى متابعة تأثير “صالة الأنشطة” في تطوير شخصية التلاميذ وسلوكهم ومهاراتهم.
وأوضحت الوزارة أن هذا القرار يأتي في إطار جهودها لتطوير العملية التربوية والتعليمية، وتحقيق المصلحة العامة للطلاب والمدارس، وكانت الوزارة قد حددت موعد بدء العام الدراسي الجديد 2025-2026 يوم الأحد 21 أيلول 2025، ليشمل جميع المدارس الرسمية والخاصة، وما في حكمها، بكافة أنواعها ومستوياتها التعليمية.
أهمية الأنشطة المدرسية ودورها في بناء شخصية الطالب
تُعد الأنشطة المدرسية جزءاً أساسياً من العملية التربوية، لما لها من دور فعال في صقل شخصية الطالب وتوسيع مداركه وتنمية ذهنه، إضافة إلى إعداد الطالب للقيام بدوره في الحياة الاجتماعية والمجتمعية بطريقة إيجابية ومتعاونة، وتعزيز شعوره بالانتماء. فالأنشطة المدرسية لا تقتصر على الترفيه أو شغل وقت الفراغ، بل تمتد لتكون وسيلة فعالة لتحقيق أهداف تربوية وتعليمية متعددة، إذ تساعد الطالب على اكتساب المهارات والسلوكيات المرغوبة، وتنمية الخلق الحسن والاحترام المتبادل، إلى جانب تعزيز قيمه الوطنية والاجتماعية.
كما تعمل هذه الأنشطة على تكامل الشخصية من خلال ربط الجانب الدراسي بالممارسة العملية، ما يجعل التعلم أكثر تأثيراً وعمقاً، ويحفز الطالب على الابتكار والاستقلالية وتحمل المسؤولية.
وتوفر فرصاً لاكتشاف المواهب والميول، وتنمية مهارات الاتصال والتعبير عن الرأي، إضافة إلى تحسين الصحة العامة وجعل البيئة المدرسية أكثر جاذبية. من خلال تنظيم وتنفيذ الأنشطة المدرسية بشكل مدروس، يمكن تحويل الطاقات السلبية إلى طاقات إيجابية، وضمان استفادة الطالب القصوى من وقته، مع تعزيز الروابط بينه وبين زملائه ومعلميه والأسرة والمجتمع، مما يخلق تجربة تعليمية شاملة تحاكي مواقف الحياة الواقعية وتعد الطالب لمستقبل متوازن ومثمر.
اقرأ أيضاً: وزارة التربية والتعليم تصدر دليل تعديل الشهادات الأجنبية
التجربة المصرية في الأنشطة المدرسية وسط غياب المضمون
بالرغم من وجود قرارات وأنظمة تخص الأنشطة المدرسية ووجود قاعات لها في مصر، إلا أن تفعيلها يشوبه عدة تحديات، والتي ربما تعترضنا في سوريا تبعاً لما تعانيه المنظومة التعليمية لدينا من تدهور سواء بالبنية التحتية أو بعدم وجود الأدوات والكوادر اللازمة لتفعيل هذه الأنشطة.
وتشكل هذه التحديات في التطبيق العملي بمصر تحول عملية توزيع التلاميذ على المعلمين إلى صراعات إدارية، تنتهي أحياناً بإجبار التلاميذ على الانتماء لنشاط محدد فقط لضمان التوازن العددي بين المعلمين، بغض النظر عن ميول الطلاب الحقيقية.
وبالرغم من وجود هيكل تنظيمي متعدد المستويات للأنشطة، وتحديثه المستمر عبر النشرات الوزارية، إلا أن غياب تخصيص وقت محدد خلال اليوم الدراسي لممارسة الأنشطة الاجتماعية، يجعل تنفيذها غالباً على حساب حصص المواد الدراسية. هذا يقلص حافز التلاميذ المتفوقين عن المشاركة الفعلية فيها.
كما أن غياب معايير واضحة لتقييم أداء الطلاب في الأنشطة يؤدي ذلك إلى تفاوت درجات النشاط بحسب تقديرات المعلمين، وأحياناً ترتبط بالمعاملة الشخصية أو حتى مقابل مادي، ونتيجة لهذا الفراغ في محتوى حصص النشاط، يميل بعض المعلمين الجادين إلى استخدام هذه الحصص لتعويض ما لم يتم تدريسه في منهجهم، بينما يفسر هذا الفراغ السلوكات غير المناسبة لبعض التلاميذ بسبب شعورهم بالكبت وعدم الاهتمام.
على الرغم من هذه المشكلات، تظل السياسات الرسمية للتفعيل على الورق بلا تعديل، وتقتصر غالباً على الخطط المسجلة مختومة وموقعة، لتكون جاهزة للتفتيش دون أن يكون لها أثر فعلي على الواقع الدراسي.
أعتقد عند قراءة هذه المعلومات نستذكر جميعنا استبدال حصص الرياضة والرسم والموسيقى بحصص دراسية لمواد أهم عندما كنا طلاب في المدارس، ومن هنا نجد أنه فعلاً ما تعانيه مدارس مصر الحكومية بخصوص الأنشطة المدرسية هو حال مدارسنا الآن، وهذا ما يجعلنا نتسائل عن كيفية تجنب هذه التحديات والعوائق.
اقرأ أيضاً: ما مصير جامعات الشمال السوري وبعض تخصصاتها بعد سقوط النظام؟
طرق تفعيل الأنشطة المدرسية ومواجهة التحديات
قدم خبراء التربية، وعلى رأسهم د. سعيد لافي، مجموعة من المقترحات العملية لتفعيل الأنشطة المدرسية وتحقيق الاستفادة القصوى منها، مع مراعاة حاجات الطلاب والمعلمين على حد سواء، ففي كتابه “النشاط المدرسي بين النظرية والتطبيق” الصادر عن دار عالم الكتب عام 2010، يشير د. لافي إلى أهمية رصد درجات للتلاميذ المشاركين في الأنشطة، بهدف دعمهم وتشجيع غير المشاركين على الانضمام إلى برامج النشاط المدرسي. كما يوصي بمضاعفة حصص النشاط في الجدول الأسبوعي، مع ضرورة اعتماد أساليب تقييم علمية منظمة بدلاً من تقديرات المعلم الارتجالية.
ومن جانب آخر، يجب بذل جهد حقيقي لوضع النشاط في موقعه الصحيح ضمن الخطة المدرسية، مع توفير الحد الأدنى من الإمكانات اللازمة، وتوجيه المعلمين لكيفية تنظيمه وإدارته بشكل سليم. ويجب أن يُحسب النشاط ضمن نصاب المعلم من الحصص، لضمان متابعته وتأديته بجدية.
وعند اختيار مشرف النشاط، يجب مراعاة تخصصه ورغبته الشخصية، لضمان جودة الإشراف وحماسه للعمل مع الطلاب، ولا ننسى أعطاء حرية للطلاب في اختيار الجماعة أو النشاط الذي يرغبون فيه، بما يعكس ميولهم واهتماماتهم.
أما بالنسبة للأنشطة العلمية، من الضروري تخفيف الأعباء التدريسية عن المعلمين المشرفين، كي يتمكنوا من تخصيص وقت كافٍ للنشاط. إلى جانب ذلك، يجب تنظيم برامج تدريبية وإرشادية للمعلمين، تساعدهم على ممارسة النشاط بطريقة علمية وتحقيق نمو مهني وعلمي لهم.
ومن الوسائل العملية لتفعيل النشاط، إعداد دليل شامل يوضح أهمية النشاط، أنواعه، طرق ممارسته، دور المشرف، المهارات اللازمة للنجاح، أساليب التفاعل مع الطلاب، وخطط تنفيذ وتقييم النشاط وربطه بالبرنامج الدراسي. كما يجب التركيز على اختيار أقل برامج النشاط تكلفة وأكثرها فائدة، فالغاية ليست الشكل أو التكلفة، بل الفائدة الحقيقية التي يحصل عليها الطلاب.
كما يمكن توسيع نطاق النشاط ليشمل ممارسة بعض الأنشطة في المنزل، أو تخصيص وقت إضافي في المساء داخل المدرسة، لتعزيز الفرص التعليمية والتربوية. وأخيراً، من الضروري أن تعمل المدرسة على توصيل فكرة أهمية النشاط إلى أولياء الأمور، للحصول على دعمهم ومساندتهم، بما يسهم في نجاح البرامج وتحقيق أهدافها التعليمية والاجتماعية.
في النهاية سوريا تعاني من خروج الكثير من مدارسها من الخدمة، عدا عن الاكتظاظ الطلابي ضمن الصفوف الدراسية، وغيرها من المشكلات الإدارية، ورغم ذلك القرار جداً مهم للعملية التعليمية لكن السؤال هنا، هل سيتم تطبيق القرار، أم سيبقى حبر على ورق مثل التجربة المصرية؟
اقرأ أيضاً: بعد تأهيل 70 مدرسة.. وزارة التربية تطلق خطة شاملة لإعادة إعمار التعليم في سوريا