بقلم هلا يوسف
تلعب العوامل السياسية والاقتصادية دوراً كبيراً في تنشيط حركة الأسواق العقارية أو جمودها، وما يرافق هذه العوامل من توقف العلميات الإدارية، وعدم وضوح القرارات، بالإضافة إلى المخاوف الأمنية، جميعها عوامل صاغت حالة سوق العقارات في الحسكة. حيث بدا المشهد وكأنه ساعة متوقفة عقاربها تنتظر من يصلحها. إذ إن السكان فضلوا تأجيل قرارات البيع والشراء، بانتظار ظروف أكثر استقراراً ووضوحاً.
يعد قطاع العقارات في الحسكة من القطاعات الحساسة التي تعكس في العادة مستوى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في أي منطقة. فحركة بيع المنازل أو شراء الأراضي وبناء الشقق ترتبط عادة بحركة السكان واستثماراتهم وتغير أنماط السكن لديهم. لكن هذا القطاع يمر حالياً بمرحلة توصف بأنها من الأضعف منذ سنوات، بحسب ما يؤكده عاملون في المجال وأهالي المحافظة.
يشير بعض السكان إلى أنهم كانوا يخططون لبيع منازلهم والانتقال إلى مساكن أصغر أو إلى أحياء أخرى داخل المدينة، لكنهم تراجعوا عن هذه الخطوة في اللحظة الأخيرة بسبب غياب الوضوح حول آليات تثبيت العقود وتعطل المؤسسات المعنية بذلك. ويؤكد كثيرون أن الأولوية في الوقت الحالي لم تعد تحسين ظروف السكن أو الاستثمار في العقارات، بل الحفاظ على الممتلكات الحالية وتجنب أي مخاطرة قد تكون غير محسوبة.
كما يرى آخرون أن القلق لا يرتبط فقط بالوضع الاقتصادي، بل يشمل أيضاً الجوانب القانونية والإجرائية المرتبطة بعمليات البيع والشراء. فشراء عقار غالباً ما يتطلب إنفاق مدخرات سنوات طويلة، وهو ما يجعل الناس أكثر حذراً في ظل غياب ضمانات واضحة تثبت الملكية بشكل قانوني وتحمي حقوق المشتري مستقبلاً. وتشير أحاديث متداولة بين السكان في الأحياء والأسواق إلى وجود مخاوف من تغييرات إدارية محتملة قد تؤثر في آليات تسجيل الملكيات، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى تأجيل قراراتهم إلى أجل غير محدد.
تراجع الحركة داخل المكاتب العقارية
تظهر آثار هذا الركود بشكل واضح داخل المكاتب العقارية في مدينة الحسكة. فالكثير من الصفقات أصبحت معلقة بانتظار التوقيع أو التثبيت الرسمي، في وقت تراجعت فيه حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ مقارنة بالفترات السابقة.
وبحسب عاملين في هذا المجال، كانت المكاتب العقارية تنجز في السابق عدة عمليات بيع أو شراء خلال الأسبوع الواحد، بينما قد تمر الآن أسابيع دون إتمام صفقة واحدة. ومعظم المراجعين يكتفون بالاستفسار عن الأسعار أو السؤال عن مناطق معينة دون اتخاذ خطوات عملية لإتمام عملية الشراء.
ويرى بعض الوسطاء العقاريين أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الرغبة بالشراء فقط، بل في غياب الثقة بالظروف الحالية. فالعقار بطبيعته استثمار طويل الأمد، والناس تحتاج إلى بيئة مستقرة وواضحة قبل أن تضع أموالها فيه. وعندما تتعطل الدوائر الرسمية أو تتغير التعليمات الإدارية، يتوقف السوق بشكل تلقائي.
كما يشير عدد من العاملين في القطاع إلى أن بعض الوسطاء العقاريين فضلوا التوقف مؤقتاً عن العمل، ليس فقط بسبب ضعف الطلب، بل أيضاً لتجنب الدخول في صفقات قد تواجه تعقيدات لاحقاً، سواء فيما يتعلق بتثبيت العقود أو بتسوية أوضاع الملكية.
تعطل المؤسسات يزيد تعقيد السوق
من أبرز المشكلات التي تواجه السوق حالياً، بحسب عاملين في القطاع، صعوبة تثبيت العقود بشكل رسمي نتيجة تعطل الدوائر المختصة، وعلى رأسها السجل العقاري والمحاكم. حيث أن أي عملية بيع تحتاج إلى تثبيت رسمي لضمان حقوق الطرفين، لكن عندما تكون الإجراءات غير واضحة أو تكون الدوائر المعنية مغلقة يصبح إتمام الصفقات معقداً وغير آمن وقد لجأ بعض البائعين والمشترين إلى تنظيم عقود عرفية مؤقتة على أن يتم تثبيتها فيما بعد، إلا أن هذا الخيار لا يمنح معظم الناس شعوراً كافياً بالأمان.
ويفضل كثير من المشترين تجنب هذه المخاطرة، خاصة عندما يكون العقار يمثل كامل مدخراتهم. فالدخول في نزاع قانوني مستقبلي بسبب عقد غير مثبت أو إجراء ناقص يعد احتمالاً يقلق الكثيرين ويدفعهم إلى التريث.
ولا ينفصل هذا الجمود عن الواقع الأمني والعسكري المتقلب في المنطقة. فالمخاوف من تغييرات محتملة في خريطة السيطرة أو احتمال حدوث موجات نزوح جديدة كما حدث في مرات سابقة، تجعل الكثير من السكان يتراجعون عن اتخاذ قرارات كبيرة مثل بيع منزل أو شراء عقار جديد.
كما يخشى بعض السكان من أن تؤدي أي تغييرات مفاجئة في السيطرة إلى تعقيدات قانونية أو إدارية تتعلق بإثبات الملكيات، خاصة في ظل الانقسام الإداري القائم بين المؤسسات الحكومية والإدارات المحلية المختلفة في المنطقة.
نشاط محدود في بعض مناطق المحافظة بعد تحرير سوريا
على الرغم من حالة الركود التي تشهدها مدينة الحسكة ومناطق أخرى، فإن بعض مناطق المحافظة، مثل ديرك وكركي لكي، شهدت في فترات سابقة نشاطاً ملحوظاً في سوق العقارات عقب تحرير سوريا، مع اعتماد واسع على الدولار الأميركي في عمليات البيع والشراء بدلاً من الليرة السورية.
ويقول أحد العاملين في المجال العقاري بتلك المناطق، أن السنوات الماضية شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار العقارات، سواء الشقق السكنية أو المحلات التجارية أو الأراضي. ويعود ذلك إلى الإقبال المتزايد على شراء العقارات من قبل أبناء المنطقة المقيمين في الخارج، وخاصة في الدول الأوروبية أو في إقليم كردستان.
وتتراوح أسعار الشقق السكنية الجاهزة بمساحة تقارب 140 متراً مربعاً بين 25 ألف و80 ألف دولار، بحسب الموقع والطابق. أما الشقق غير المكسوة، أو ما يعرف بالشقق على الهيكل، فتتراوح أسعارها بين 15 ألف و45 ألف دولار تقريباً للمساحة نفسها.
وفي ما يتعلق بالمحلات التجارية الواقعة على الشوارع الرئيسية، فإن أسعارها قد تتراوح بين 50 ألف و300 ألف دولار بحسب الموقع والمساحة، بينما تتراوح أسعار المحلات داخل الأسواق الفرعية بين 10 آلاف و70 ألف دولار، مع وجود إقبال أقل عليها.
كما شهدت الأراضي النظامية المعدة للبناء طلباً متزايداً، إذ تتراوح أسعار قطعة أرض بمساحة نحو 400 متر مربع بين 40 ألفًا و100 ألف دولار بحسب الموقع. وفي بعض الحالات الاستثنائية وصلت أسعار الأراضي في مواقع تجارية مهمة إلى أرقام مرتفعة جداً.
أما الأراضي الزراعية الواقعة خارج التنظيم، خاصة تلك المطلة على الطرق الرئيسية، فقد ارتفعت قيمتها أيضاً بسبب استخدامها في مشاريع تجارية أو صناعية صغيرة أو كمزارع خاصة. وتتراوح أسعار الهكتار الواحد من هذه الأراضي بين 125 ألف و350 ألف دولار على الطرق الرئيسية، وبين 20 ألف و100 ألف دولار على الطرق الفرعية، بينما تنخفض الأسعار إلى ما بين 5 آلاف و20 ألف دولار للأراضي الزراعية البعيدة عن الطرق.
باختصار، في الوقت الذي ينظر فيه إلى العقارات على أنها وسيلة لحماية الأموال، تظهر العراقيل الإدارية والأمنية في وجه الباحثين عن استثمار يضمن حقوقهم، سواء شقة سكنية أم أرض زراعية أم محلات تجارية. وبالتالي استعادة نشاط سوق العقارات في الحسكة رهينة عودة العمل الحكومي بكافة جوانبه التنظيمية، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار الأمني والإداري. وحتى يحين ذلك الوقت، يفضل الأهالي الانتظار على أن يخوضوا مغامرة البيع والشراء في ظل الظروف الغامضة.
اقرأ أيضاً: أسعار العقارات في سوريا .. باب للادّخار أم الركود؟