روايات

البيوت البلاستيكية في سوريا.. الواقع الاقتصادي والتحديات القائمة

البيوت البلاستيكية في سوريا.. الواقع الاقتصادي والتحديات القائمة

بقلم: ريم ريّا

شهد قطاع البيوت البلاستيكية في سوريا خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً من نشاط تكميلي إلى ركيزة إنتاجية أساسية في منظومة الأمن الغذائي، ولا سيما في الساحل السوري. وبين عامي 2020 و2026، تكشف الأرقام المنشورة في وسائل الإعلام عن تطور عددي ملحوظ، يقابله في الوقت ذاته تراجع في الجاهزية الفعلية نتيجة تحديات تمويلية ولوجستية. المسألة إذن ليست مجرد زيادة في عدد البيوت البلاستيكية، بل في نوعية هذا النمو ومدى استدامته. في هذا المقال سنعرض واقع البيوت البلاستيكية وأبرز التحديات التي تواجهها.

واقع البيوت البلاستيكية في سوريا بين عامي 2020 – 2026

تشير إحصائية وزارة الزراعة لعام 2020 إلى وجود 97.547 بيتاً محمياً موزعة على المحافظات السورية، مع تصدر طرطوس للمرتبة الأولى. في المقابل تؤكد بياناتها عام 2026، أن محافظة طرطوس وحدها تضم نحو 150 بيتاً بلاستيكياً، يعمل فيها أكثر من 30 ألف أسرة، بإنتاج سنوي يقدر بنحو 500 ألف طن.

هذا التحول يشير إلى نمو عددي كبير للبيوت المحمية في الساحل السوري، في حال اعتبرنا أن رقم 97 ألفاً كان إجمالي البلاد عام 2020، إن وصول طرطوس وحدها إلى 150 ألفاً عام 2026 يعكس توسعاً سريعاً في الزراعة المحمية، خصوصاً البيئة الساحلية الملائمة.

تنتشر البيوت البلاستيكية في مختلف أراضي الجمهورية، في إدلب ودرعا وغيرها. لكن يبدو أن الساحل، بات مركز الثقل الأساسي للزراعة المحمية، نتيجة المناخ المعتدل وضيق الحيازات الزراعية التي تجعل الزراعة المكثفة خياراً منطقياً، وخاصةً طرطوس وبانياس.

رغم وجود 150 ألف بيت، تشير المعطيات الحديثة إلى أن نحو 40% من هذه البيوت خرجت عن الخدمة العام الحالي. هذا يعني أن الطاقة التشغيلية الفعلية قد لا تتجوز 90 ألف بيت تقريباً، أي أقل من الرقم المسجل عام 2020. وهنا يظهر الفرق بين “التوسع العددي” و”الاستقرار الإنتاجي”.

اقرأ أيضاً: البيوت البلاستيكية.. ثروة مهملة في سوريا!

الإنتاج الزراعي ودوره الاقتصادي الواعد

تتركز الزراعات داخل البيوت البلاستيكية، على البندورة بالدرجة الأولى، يليها الباذنجان، الخيار، الفليفلة، الفريز، الكوسا. إضافةً إلى بعض الزراعات التجريبية مثل النباتات الاستوائية والموز. وتوفر هذه الزراعات مزايا اقتصادية واضحة، منها:

  • إنتاج الخضار خارج موسمها التقليدي، ما يزيد قيمتها السوقية.
  • ترشيد استهلاك المياه عبر أنظمة الري المنظم.
  • تأمين دخل مستقر نسبياً لعشرات آلاف الأسر الريفية.
  • رفع إنتاجية وحدة المساحة مقارنة بالزراعة المكشوفة.

يقدر الإنتاج السنوي في طرطوس وحدها بنحو نصف مليون طن، وهو رقم يعكس ثقلاً إنتاجياً مهماً في السوق المحلية، مع وجود فائض قابل للتصدير عند توفر الظروف اللوجستية المناسبة. كذلك، يخلق هذا القطاع فرصاً غير مباشرة في مجالات النقل، التعبئة، صناعة البلاستيك، إنتاج الأسمدة، والخدمات الإرشادية الزراعية. وبذلك تتجاوز مساهمته حدود المزرعة لتصل إلى حلقات اقتصادية متعددة.

ففي حال تم النظر إلى البيوت البلاستيكية باعتبارها “وسيلة إنتاج مكثف”، لا مجرد نشاط زراعي، فإنها تمثل واحداً من أكثر القطاعات القابلة للنمو السريع في الاقتصاد الزراعي السوري لعدة أسباب مترابطة.

الزراعة المحمية، ترفع إنتاجية وحدة مساحة إلى أضعاف الزراعة المكشوفة، ما يعني أن العائد على الهكتار الواحد أعلى بكثير مقارنةً بالأنماط التقليدية. في بيئة تتسم بتفتت الحيازات وضيق الأراضي كما في الساحل، لتصبح هذه الميزة حاسمة اقتصادياً.

كثافة هذه الزراعة في طرطوس على سبيل المثال، تعني دوراناً أسرع لرأس المال، وقدرةً أعلى على تحقيق دخل موسمي متكرر، وتعويض جزئي لارتفاع كلفة المدخلات عبر زيادة الغلة. والميزة الاقتصادية الأهم لتلك البيوت هي القدرة على طرح المنتجات خارج موسمها الطبيعي. فالبندورة والخيار المنتج الأبرز في فترة شح العرض، ما يحقق سعراً أعلى ويخلق هامشاً من الربح النوعي لا يتاح في الزراعة التقليدية.

ما يمنح المزارع، مرونةً في اختيار توقيت الزراعة، وقدرةً على الاستجابة لتغيرات السوق، فضلاً عن إمكانية استهدف أسواق تصديرية تحتاج توريداً منتظماً. الميزة هنا ليست في الكمية فقط، بل في التحكم بالزمن الزراعي، وهو عنصر اقتصادي بامتياز.

كذلك، الزراعة المحمية تساهم في تعزيز واستقرار الميزان التجاري، وكشرح مبسط لهذه العملية، إن وجود فائض إنتاج في بعض المواسم، يجعل من القطاع فرصة حقيقية للتصدير، خصوصاً إلى الأسواق المجاورة. فالخضار الطازجة سريعة الدوران، وعند توفر مسارات لوجستية مستقرة يمكن أن تتحول إلى مصدر عملة أجنبية منتظم.

أصعب الفصول على الزراعة المحمية والتحديات البنيوية

بالرغم من أهمية هذا القطاع، إلا أنه يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية، تبدأ من المناخ، ففصل الشتاء هو الأصعب على البيوت البلاستيكية بسبب الصقيع والعواصف والرياح، ما يتطلب تكاليف إضافية للتدفئة والحماية. ومع شتاء هذا العام كانت أكثر مناطق الزراعة المحمية تضرراً في ريف طرطوس ( بانياس، قرية القلوع، الدروك، المنطار، ويحمور) وريف اللاذقية (البصة وعين العروس)، وجبلة.

كذلك، يشكل فصل الصيف تحدياً من حيث ارتفاع درجات الحرارة والحاجة إلى أنظمة تهوية وتظليل مكلفة. من التحديات المحيطة إلى جانب المناخ:

  • غياب التأمين الزراعي الفعال ضد الكوارث الطبيعية.
  • ارتفاع أسعار البلاستيك والهيكل المعدني والأسمدة والمبيدات.
  • نقص مواد التعقيم وارتفاع أسعارها.
  • نقص العمالة الزراعية المدربة.
  • الاعتماد على بذور هجينة مستوردة بالقطع الأجنبي.
  • تذبذب الأسعار في السوق المحلية وضعف تنظيم التصدير.

فتبعاً للتحديات المطروحة، من المفترض تبني حلول واقعية على مستوى السياسات العامة، تتمثل في تأمين الطاقة بأسعار ميسرة ففواتير الكهرباء أرهقت المزارعين إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود. كذلك يجب توفير تأمين زراعي على المنشآت ضد الكوارث، ودعم برامج التحسين الوراثي لإنتاج بذور محلية، إضافةً إلى تنظيم السوق ومنع الإغراق الاستيرادي غير المنضبط.

بالمحصلة، البيوت البلاستيكية ليست مجرد هياكل مغطاة بالنايلون. بل إنها تعبير عن محاولة مستمرة لضبط الفوضى المناخية والاقتصادية ضمن مساحة محدودة يمكن التحكم بها. الأرقام تشير إلى توسع لافت، لكن نسبة البيوت الخارجة عن الخدمة تكشف هشاشة هذا التوسع أمام تقلبات التمويل والبنية التحتية.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.