شهدت زراعة الزعفران في سوريا، تقدماً ملحوظاً كأحد المشاريع التنموية الصغيرة ذات المردود الاقتصادي العالي، حيث يُقدّر سعر الكيلوغرام الواحد من الزعفران السوري بما يتراوح بين 4 إلى 7 آلاف دولار، ويُنتج من نحو 150 ألف زهرة.
وتنتشر زراعته حالياً في محافظات دمشق، حمص، السويداء، إدلب، درعا، وحماة، بالإضافة إلى المناطق الجبلية، حيث يُحقق استثماراً سنوياً يُعادل ثلاثة أضعاف رأس المال.
جودة عالمية وميزة تنافسية في الأسواق العالمية
أكدت الدكتورة روعة ببيلي، من الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، خلال حديثها لإحدى الوسائل الإعلامية، أن الزعفران السوري يتميز بجودة عالمية فائقة، حيث تتميز مياسمه بلونها الأحمر الداكن ورائحتها القوية وغناها بالمواد الفعالة، إضافة إلى كونه يُنتج دون استخدام مبيدات أو مواد كيميائية، وهذه الميزات تجعله منافساً قوياً في الأسواق العالمية.
وأوضحت ببيلي أنه على الرغم من أن زراعته لا تزال في نطاق تجريبي ومحدود، إلا أن هناك جهوداً بحثية وعلمية مكثفة من قبل وزارة الزراعة والهيئة العامة للبحوث لدراسة وتحديد أفضل الطرق لنشر زراعته وتطوير إنتاجه في مختلف المحافظات السورية، مشيرةً إلى أن إنتاج الدونم الواحد بعد ثلاث سنوات من الزراعة يبلغ ما بين 1 إلى 30 كيلوغرام من المياسم الجافة.
استثمار طويل الأمد ومشروع مثالي للأسر الريفية
تعد زراعة الزعفران في سوريا، المعروف باسم “الذهب الأحمر”، مشروعاً مثالياً للأسر الريفية، وذلك بسبب امتلاكه للعديد من المزايا، أبرزها قيمته الغذائية والطبية العالية، حيث يستخدم كمضاد أكسدة طبيعي، ومهدئ، ومحسن للحالة النفسية، كما أنه يدخل في صناعة منتجات التجميل.
أما من الناحية الاقتصادية، فيمكن تحقيق قيمة مضافة عالية عبر تعبئة الزعفران وتسويقه كمنتج فاخر، بالإضافة إلى أنه يعتبر استثماراً طويل الأمد كونه لا يحتاج إلى ري كثير ومقاوم للأمراض.
التحديات والجهود الحكومية
على الرغم من جودته العالية، تواجه زراعة الزعفران في سوريا تحديات عدة، أبرزها:
- نقص الخبرة: قلة خبرة المزارعين في التعامل مع هذا النبات.
- ارتفاع التكاليف: ارتفاع تكاليف تأسيس الحقول وصعوبة الحصول على بصيلات عالية الجودة.
- الجهد اليدوي: الاعتماد بشكل كبير على العمل اليدوي في جميع مراحل الزراعة والحصاد، مما يزيد من التكاليف.
- غياب التنظيم: ضعف التسويق وعدم وجود تسعيرة رسمية.
ولمواجهة هذه التحديات، تعمل الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية على دعم المزارعين من خلال تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية وإعداد كتيبات إرشادية، بهدف نشر زراعة الزعفران وتوسيع نطاق إنتاجه في جميع أنحاء سوريا، وذلك بحسب ما صرّحت به مديرة إدارة بحوث البستنة في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية لإحدى وسائل الإعلام.
توقعات بنمو سوق الزعفران العالمي إلى 2 مليار دولار
تعتبر زراعة الزعفران من الزراعات الاقتصادية الحديثة التي انتشرت في سوريا، نظراً لملاءمتها للظروف البيئية ومردودها الاقتصادي المرتفع.
وفي هذا الصدد، أوضحت الخبيرة الدكتورة ريم رستم في تصريحات لإحدى وسائل الإعلام، أن الطلب العالمي على الزعفران يتزايد، خصوصاً في الأسواق الناشئة وقطاع الأدوية بسبب خصائصه الطبية المتعددة، وتابعت: “من المتوقع أن يصل حجم سوق الزعفران العالمي إلى 2 مليار دولار بحلول عام 2026”.
اقرأ أيضاً: ياقوت الأرض السورية: الفستق الحلبي وذاكرة وطن
تقنيات زراعة الزعفران والإنتاج
أوضحت الدكتورة رستم، أنه لإنشاء حقل زعفران، يجب تحضير التربة جيداً والزراعة على خطوط بمسافات 60 سم، ويمكن زراعة ما يصل إلى 5000 كورمة (بصيلة) في الدونم الواحد.
ويُفضل استخدام نظام الري بالتنقيط، مع الاهتمام بالري التكميلي قبل وبعد الإنبات، خاصة في المناطق التي يقل فيها معدل الهطول المطري عن 600 ملم.
وأشارت إلى أن عملية الإزهار تستمر لنحو 15 يوماً، وتُقطف الأزهار في الصباح الباكر، ثم تُفصل المياسم وتُجفف في مكان ظليل ومهوى، وهو ما يحافظ على جودتها وفعاليتها، ويمكن ترك الكورمات في التربة للموسم التالي لزيادة الإنتاج، أو قلعها للإكثار.
خبرات ميدانية
من جانبه، أكد الخبير الزراعي غسان رستم، الذي يعمل في هذا المجال منذ 20 عاماً، في تصريحات لإحدى وسائل الإعلام، أنه بدأ بزراعة وإكثار كورمات زعفران إسبانية المصدر في سوريا، وتمكن من توسيع زراعته في مناطق متعددة مثل الزبداني وسرغايا بريف دمشق، وسهل الغاب في حماة، إضافة إلى حمص.
أما عن مزايا الزعفران السوري وعوائده الاقتصادية، فقد أوضح رستم أن الزعفران السوري يتميز بجودته العالية، التي تؤكدها رائحته المميزة ولونه الأحمر القاتم، بالإضافة إلى غناه بالمركبات الفعالة التي تنافس مثيلاتها في الدول الأخرى المنتجة للزعفران.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لحقل زعفران بمساحة دونم واحد أن ينتج ما يصل إلى 3 كيلوغرامات من المياسم الجافة في السنة الثانية أو الثالثة، بقيمة قد تصل إلى 40 مليون ليرة سورية للكيلوغرام الواحد.
ورغم الجودة العالية، يرى الخبير الزراعي غسان رستم أن سعر الزعفران السوري لا يزال أقل من البلدان المجاورة، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى صعوبات التصدير والعقوبات الاقتصادية، وأشار إلى أن هناك فرصة واعدة تتمثل في بيع المركبات الفعالة المستخلصة من المياسم لشركات الأدوية بأسعار أفضل.
لماذا يسمى الزعفران بالذهب الأحمر؟
يُلقّب الزعفران بـ”الذهب الأحمر” نظراً لقيمته الاستثنائية التي تجعله واحداً من أغلى التوابل في العالم، حيث يُباع بالوزن كالمعادن الثمينة، وإنتاج هذا المحصول يتطلب عملية دقيقة وشاقة تستمر على مدار العام، فكل غرام واحد من الزعفران الجاف يحتاج إلى قطف ما يقارب 150 زهرة زعفران يدوياً.
حيث أن كل زهرة تحتوي على ثلاثة مياسم حمراء اللون، يبلغ وزن الميسم الواحد نحو 2 ملليغرام، ومن هنا، يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من هذا التابل الثمين قطف حوالي 150 ألف زهرة بعناية فائقة، مما يبرر التكلفة العالية والجهد الكبير المبذول في زراعته وحصاده.
ولا تقتصر أهمية الزعفران على كونه نوع من التوابل الفاخرة فحسب، بل يمتلك فوائد طبية واسعة ومتعددة، فهو يساعد في تنظيم مستويات السكر في الدم، ويعزز من صحة الأعصاب، كما أن خلاصة أزهاره تساهم في تهدئة المعدة، وتخفيف الحموضة والانتفاخات، والمساعدة في مكافحة العدوى.
ويُعرف الزعفران بخصائصه كمضاد حيوي ومضاد للاكتئاب، ويُستخدم للتخفيف من الأرق والإرهاق، كما أنه غني بمضادات الأكسدة، ويُسهم في علاج فقر الدم (الأنيميا) بزيادة نسبة الحديد في الدم، ويعالج الإمساك ومشكلات عسر الهضم. ومع ذلك، يجب توخي الحذر من استهلاكه المفرط لتجنب الآثار الجانبية كالإسهال.
خريطة إنتاج الزعفران العالمي: إيران في الصدارة
تُسيطر إيران على حصة هائلة من إنتاج الزعفران على المستوى العالمي تصل إلى نحو 250 طن سنوياً بما يوازي 90% من الإمدادات العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك دولاً أخرى تسهم في هذا السوق بإنتاجات ملحوظة، حيث تبرز أفغانستان كمُنتج متزايد الأهمية، بينما تشتهر الهند بـ “زعفران كشمير” الذي يُصنف ضمن أغلى أصناف الزعفران على مستوى العالم.
هذا وتحتل كل من اليونان والمغرب وإسبانيا مكانة مرموقة بفضل جودة منتجاتها، مما يجعل هاتين الدولتين من المصدرين الرئيسيين.
ومن الجدير بالذكر سوريا قد بدأت مؤخراً في استكشاف إمكاناتها الزراعية في هذا المجال، حيث أظهرت التجارب الأولية نجاحاً في زراعة الزعفران المحلي.
اقرأ أيضاً: الأمن الغذائي في سوريا.. هل الزراعة في مهب الريح؟!
من هي أكثر الدول المستوردة للزعفران؟
تتصدر إيران قائمة منتجي ومصدّري الزعفران على مستوى العالم، حيث تبلغ قيمة صادراتها السنوية 587 مليون دولار، وتعتبر إسبانيا أكبر شريك تجاري لها في هذا القطاع، إذ تستحوذ على 50% من إجمالي الإنتاج الإيراني، مما يجعلها المشتري الأكبر للزعفران الإيراني.
في حين تأتي هونغ كونغ في المرتبة الثانية بشراء 16% من إجمالي الإنتاج الإيراني للزعفران، تليها الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثالثة بنسبة 15%.
وفي عام 2017، تجاوزت صادرات إيران من الزعفران 400 طن، ووصلت إلى نحو 60 دولة حول العالم، وشملت هذه القائمة مجموعة واسعة من الدول بالإضافة إلى الشركاء الثلاثة الكبار، من أبرزها: ألمانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، أفغانستان، الصين، قطر، فرنسا، الكويت، جورجيا، تايوان، هولندا، البحرين، عمان، أستراليا، اليابان، المغرب، سويسرا، كندا، بلجيكا، سنغافورة، الهند، المجر، تركيا، ماليزيا، باكستان، جنوب أفريقيا، بولندا، الفلبين، اليونان، العراق، والنمسا.
اقرأ أيضاً: الجفاف يهدد الزراعة والأمن الغذائي.. كيف نواجه كوارث الطبيعة؟!
في الختام، على الرغم من التحديات، يبدو مستقبل “الذهب الأحمر” في سوريا واعداً، حيث أثبتت التجارب الأولية جودته العالمية، ومع الجهود الحكومية والبحثية المستمرة لدعم المزارعين وتوسيع نطاق الإنتاج، يمكن أن تتحول هذه الزراعة إلى قطاع اقتصادي حيوي.
الطلب العالمي المتزايد على الزعفران يفتح آفاقاً واسعة للتصدير، مما يعزز من دخل الأسر الريفية ويجعل الزعفران السوري محركاً هاماً للتنمية في البلاد.

