الكاتب: أحمد علي
يقف السوريون اليوم أمام منعطف مصيري بحثاً عن مخرج لأزمة مستفحلة عمرها سنوات، وتتردد في الأفق فكرة المؤتمر الوطني الشامل في سوريا كنافذة أمل تجمع مختلف أطياف المجتمع والقوى السياسية حول طاولة واحدة، لصياغة مستقبل جديد للبلاد. هذه الفكرة ليست وليدة اللحظة؛ فلطالما حلم السوريون بمنصة جامعة تتسع للجميع وتنهي حقبة الانقسام والصراع. لكن السؤال الملحّ: هل سيكون هذا المؤتمر الشامل عصا سحرية لحل المعضلة السورية الراهنة، أم أنه مجرد تكرار لمحاولات سابقة أخفقت في تحقيق التغيير المنشود؟ في ثنايا هذا المقال نروي قصة هذه الفكرة، بين آمال عريضة تعقد عليها، وعقبات جسيمة تعترض طريقها، ونغوص في ذاكرة التاريخ السوري مستحضرين مؤتمراً تأسيسياً انعقد قبل قرن تقريباً لنستلهم منه العبر ونقارن بين الأمس واليوم.
هل ينجح المؤتمر الوطني الشامل في سوريا في حل الأزمة؟
يدرك السوريون أن أزمتهم المعقدة لا حلَّ لها إلا بحوار وطني جامع يرتقي فوق الانتماءات الضيقة وينبذ لغة السلاح والاقتتال. من هذا المنطلق برزت الدعوات لعقد مؤتمر وطني شامل في سوريا بعد سقوط النظام السابق، ليكون محطة مفصلية على طريق إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. الفكرة جوهرياً تهدف إلى جمع كافة المكونات السياسية والمجتمعية وحتى العسكرية حول رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، تشمل مبادئ العدالة الانتقالية والمحاسبة وإرساء السلم الأهلي بعد سنوات طويلة من الصراع. يأمل الداعمون لهذه الخطوة أن تفضي إلى توافق وطني واسع يرسم خارطة طريق للمرحلة الانتقالية ويؤسس لنظام سياسي جديد قائم على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
وليس الهدف مجرد اجتماع شكلي، بل إطلاق عملية سياسية متكاملة تبدأ بحوار صادق وشفاف، وتمضي نحو تشكيل مجلس تشريعي انتقالي وجمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً يعيد تعريف العقد الاجتماعي بين السوريين. لقد طالبت فئات واسعة من الشعب بهذه اللحظة منذ عام 2011، لكن تعنّت النظام السابق ورفضه لأي حوار جاد حال دون تحقيقها آنذاك. أما اليوم، وبعد أن زال ذلك النظام، يجد السوريون أنفسهم أمام فرصة تاريخية ربما لا تتكرر لصناعة مستقبلهم بأيديهم عبر هذا المؤتمر الوطني المنشود.
بيد أن التفاؤل وحده لا يكفي لضمان نجاح المؤتمر الشامل. فالتجربة الأولية التي جرت في مطلع عام 2025 فيما سُمِّي “مؤتمر الحوار الوطني” تحت رعاية الحكومة الجديدة كشفت عن ثغرات ينبغي عدم تكرارها. صحيح أن ذلك المؤتمر عُقد بنيّة جمع كل الأطياف حول طاولة واحدة، وركّزت أجندته على ملفات حيوية مثل العدالة الانتقالية وصياغة دستور جديد والحريات الأساسية، لكنه لم ينجح في تحقيق أهدافه المرجوّة. فقد شابت تلك المحاولة محدودية في التمثيل وطابع شكلي طغى على مجرياتها، مما أبقى مخرجاتها دون التوقعات. كثيرون رأوا أن الحوار كان منقوصاً؛ حيث غابت عنه شخصيات وازنة ومكونات أساسية في النسيج الوطني السوري، الأمر الذي أضعف من فعاليته وتأثيره. وهكذا أدرك الجميع أن مؤتمراً وطنياً حقيقياً يجب أن يكون شاملاً بحق، لا يُقصي أحداً ولا يتحول إلى مجرد حدث بروتوكولي لالتقاط الصور التذكارية.
عقبات وعثرات على طريق المؤتمر الوطني الشامل
على الرغم من الزخم الذي اكتسبته فكرة المؤتمر الشامل أخيراً، برزت عقبات جوهرية تهدد قدرتها على حل الأزمة إن لم يُحسن التعامل معها. أولى تلك العقبات هي مسألة التمثيل الشامل والمتوازن. فقد انتُقد مؤتمر الحوار السابق بسبب النهج الانتقائي في توجيه الدعوات وضيق هامش الوقت للتحضير، ما أدى إلى اعتذار عشرات المدعوين لا سيما من المغتربين لضيق الوقت وصعوبة الوصول. إرسال الدعوات قبل يومين فقط من انطلاق المؤتمر السابق أوحى للكثيرين بضعف جدية التنظيم والاستعجال، ما دفع شخصيات بارزة كالدبلوماسي السابق جهاد مقدسي وغيره كثر إلى الامتناع عن الحضور، منتقدين غياب التحضير الجاد لمثل هذا الاستحقاق الوطني.
كذلك غاب عن المؤتمر السابق ممثلون حقيقيون لبعض المكوّنات السورية؛ فعلى سبيل المثال قاطع معظم السوريين الأكراد ذلك اللقاء احتجاجاً على ما وصفوه بتهميشهم. وعبّر المجلس الوطني الكردي صراحة عن رفضه آلية المؤتمر واعتبرها انتهاكاً لمبدأ الشراكة الوطنية، مؤكداً أن أي حوار وطني لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل حقوق المكونات كافة أو قام على دعوات “انتقائية وفردية” تفتقر لمعايير تمثيل واضحة. ووصل الأمر إلى أن اعتبرت الأوساط السورية الكردية المؤتمر السابق مجرد إجراء شكلي يعمّق الانقسام بدل أن يعزز الشراكة الوطنية، لا سيما مع تصريح مسؤولي الإدارة الذاتية بأنهم استُبعدوا تماماً ولم تُوجَّه إليهم أي دعوات.
عقبة أخرى لا يمكن إغفالها تتمثل في انعدام الثقة المتجذر بين الأطراف المختلفة. عقود الاستبداد ثم سنوات الحرب خلَّفت شروخاً عميقة في النسيج الاجتماعي، وأنتجت إرثاً من الشكوك والهواجس المتبادلة. فالمعارضون من مختلف الاتجاهات يخشون أن يكون المؤتمر الوطني مجرد واجهة يكرّس هيمنة طرف واحد على العملية السياسية. ولعل بيان مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) – الجناح السياسي لـ «قسد» – جاء معبّراً عن هذه الهواجس، حين انتقد بشكل حاد أسلوب السلطة في دمشق بتنظيم الحوار الوطني السابق. رأى المجلس أن النهج المتَّبع كان استمراراً لأساليب الإقصاء والتفرّد بالقرار التي اتبعها نظام الأسد لعقود، محذّراً من أن احتكار القرار السياسي وإقصاء القوى الوطنية الفاعلة لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإفشال أي فرصة لنجاح العملية الانتقالية. وهذه الكلمات الصارمة تعكس خوفاً حقيقياً من تكرار أخطاء الماضي تحت واجهة جديدة، وهو ما يفرض على القائمين على فكرة المؤتمر الشامل طمأنة الجميع بأن اللقاء المنشود لن يكون نسخة مجمّلة من ممارسات النظام البائد أو على شاكلة المؤتمر المستعجل الذي نظّم قبل أشهر تحت عنوان الحوار الوطني.
ولا يقتصر التحدي على الحسابات الداخلية فحسب؛ إذ تشكِّل التجاذبات الإقليمية والدولية عقبة إضافية في طريق أي حل سوري وطني خالص. فكما كان للقوى الخارجية دور معرقل في تجارب تاريخية سابقة، لا تزال اليوم العديد من الدول صاحبة نفوذ على الأرض السورية، وقد تحاول فرض أجنداتها أو وكلائها على أي مؤتمر عام.
هذه النفوذ الخارجية – سواء من دول إقليمية مجاورة أو قوى عالمية – قد تسعى لإملاء شروط تتعارض مع المصلحة الوطنية السورية، مما قد يفرغ المؤتمر من مضمونه إذا لم يتم تحييد تأثيرها. لذا، يشدّد المراقبون على أن نجاح المؤتمر الوطني الشامل مرهون بضمان استقلالية قراره السوري وعدم خضوعه لوصاية أو ابتزاز سياسي خارجي. وهذا تحدٍّ كبير، لكنه شرط لا بد منه إذا أريد للمؤتمر أن ينتج حلاً سوريّاً خالصاً ومستداماً للأزمة.
من الجمعية التأسيسية عام 1928 إلى اليوم: دروس من التاريخ
في غمرة البحث عن حلول حاضرة، يجد السوريون في تاريخهم إشارات ودروساً تستحق التأمل. لقد شهدت البلاد قبل نحو قرن تجربة شبيهة بروحها بفكرة المؤتمر الشامل اليوم، وهي تجربة المؤتمر التأسيسي عام 1928 الذي انعقد إبان حقبة الانتداب الفرنسي. يومها انتُخبت جمعية تأسيسية غلب عليها التيار الوطني الاستقلالي، وانكبّت على صياغة أول دستور للجمهورية السورية الحديثة. حمل ذلك الدستور تطلعات السوريين للسيادة والوحدة الوطنية، بما في ذلك المطالبة بإعادة توحيد الأراضي السورية المجزأة آنذاك وإنهاء الانتداب. لكن تلك الآمال اصطدمت بواقع الهيمنة الأجنبية؛ فقد رفضت سلطات الانتداب الفرنسي بنوداً أساسية في الدستور الجديد ورأت أنها تنتقص من صلاحياتها وتغذي “النزعة الاستقلالية” للسوريين.
حاول المندوب السامي الفرنسي الضغط لحذف المواد المزعجة، وعندما أصرّ المندوبون السوريون المنتخبون على موقفهم، لجأت فرنسا إلى تعليق عمل الجمعية التأسيسية في شباط 1929 إلى أجل غير مسمى. وهكذا أُجهض المؤتمر التأسيسي 1928 في مهده، ولم يكتب للدستور الذي أقرّه الوطنيون أن يرى النور بصيغته الأصلية. وبدلاً من ذلك، فرض الفرنسيون لاحقاً دستوراً معدلاً عام 1930 حذف المواد التي عارضوها وأكّد في نصوصه أولوية سلطة الانتداب على أي تشريع سوري.
إن استرجاع هذه الصفحة التاريخية يضيء جوانب مهمة يمكن أن تفيد السوريين اليوم. فقد علَّمهم مؤتمر 1928 أن أي مشروع وطني جامع قد يواجه مقاومة شرسة من القوى المسيطرة التي تخشى على نفوذها – سواء كانت قوة احتلال أجنبية كما في الماضي، أم قوى أمر واقع داخلية أو خارجية في زمننا الراهن. ويبرز ذلك المؤتمر أهمية شمول التمثيل وتوحيد الصف الوطني عند التأسيس لمرحلة جديدة؛ إذ أن غياب بعض القيادات الثورية عن انتخابات الجمعية التأسيسية آنذاك نتيجة نفيهم أو استثنائهم بضغط من الفرنسيين أضعف الزخم الشعبي للمشروع الدستوري. واليوم أيضاً، يدرك الجميع أن أي مؤتمر وطني لن يكتب له النجاح ما لم يضم جميع مكونات المجتمع السوري دون استثناء أو إقصاء.
ومن الدروس المؤلمة كذلك أن التسرع في عقد الاتفاقات دون توافق حقيقي قد يؤدي إلى حلول مفروضة وقصيرة الأجل. فالدستور الذي فُرض عام 1930 تحت حراب الانتداب لم يصمد طويلاً، بينما بقي السوريون يناضلون حتى نيل الاستقلال عام 1946 وإعادة الأمور إلى نصابها الوطني الصحيح. ومن هنا يعلمنا التاريخ أن أنصاف الحلول لا تقود إلى سلام مستدام، وأن الإرادة الحرة للشعب هي حجر الأساس في بناء دولة عادلة ومستقرة.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية وما تلاها من صراع مرير، تجد سوريا نفسها أمام مفترق طرق جديد. وفكرة المؤتمر الوطني الشامل في سوريا تحمل في طياتها بذور الخلاص إذا ما كُتبت لها الظروف الملائمة. فهي يمكن أن تكون الإطار الجامع الذي يعيد وصل ما انقطع بين السوريين ويضع أسساً صلبة لسوريا الجديدة التي يحلمون بها. ولكن نجاح هذه الفكرة مشروط بشجاعة مواجهتها لعوامل الفشل التي أسقطت محاولات الأمس القريب والماضي البعيد. فبدون تمثيل حقيقي للجميع، وبدون شفافية وضمانات لبناء الثقة، وبدون إعلاء مصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد والفئات، سيبقى أي مؤتمر مجرد حبر على ورق. التجربة القاسية لمؤتمر الحوار الوطني في شباط 2025 وما رافقها من غياب ومقاطعة وانتقادات أثبتت أن السوريين لم يعودوا يقبلون بالحلول المجتزأة أو الصورية، وإنهم يتطلعون إلى حوار شامل سوري الإرادة والقرار، لا مكان فيه للإقصاء أو الهيمنة؛ حوار يداوي جراح الماضي ويمهد لمستقبل يشارك فيه الجميع.
في المحصلة، قد لا يكون المؤتمر الوطني الشامل عصا سحرية تنهي مشاكل سوريا بين ليلة وضحاها، لكنه بالتأكيد خطوة لا غنى عنها على طريق الحل. فهو إطار يمنح السوريين فرصة غير مسبوقة لالتقاط الأنفاس والتفكير جماعياً في خارطة طريق تنقذ وطنهم من دوامة الصراع. وإذا خلصت النيات وتوفرت الضمانات، يمكن لهذا المؤتمر أن يكون قاطرة المرحلة الانتقالية نحو سوريا جديدة تسودها العدالة والسلام. أما إذا أُفرغ من مضمونه بتحويله إلى واجهة شكلية أو أداة بيد طرف واحد، فإنه لا محالة سيلقى مصير المحاولات السابقة وسيخيّب آمال من علقوا عليه الرجاء. الكرة اليوم في ملعب السوريين أنفسهم بمختلف توجهاتهم؛ هم وحدهم القادرون على إنجاح المؤتمر الوطني الشامل بتحويله إلى ملحمة تفاهم وتسامح وبناء، أو إفشاله إذا استمر بعضها في اجترار صراعات الماضي. وكما قال أحد الكتّاب السوريين: الفرص التاريخية الكبرى لا تُمنح مرتين في حياة الأمم – فإن لم يحسن السوريون اغتنام هذه الفرصة الآن، قد تطول سنوات التيه واليأس مرة أخرى. فهل ترتقي جميع الأطراف إلى مستوى التحدي؟ الشعب السوري يُمنّي النفس بأن يكون الجواب: نعم، وبقوة.
اقرأ أيضاً: إلامَ خلص مؤتمر الحوار الوطني في دمشق؟