روايات

صناعة الأحذية في سوريا.. من سوق التصدير إلى مهالك الاندثار

صناعة الأحذية في سوريا.. من سوق التصدير إلى مهالك الاندثار

تراجع ألق صناعة الأحذية في سوريا حتى باتت تحت جنح الغياب. لم تكن مجرد منتج محلي يُطرح في السوق بل كانت علامة جودة متنقلة بين الأسواق العربية والعالمية.. بجلدها المتين اللامع ودقة صنعها وشكلها العصري واللافت الذي يعكس براعة الحرفيين السوريين ودقة صناعتهم وجمال خياطتهم التي تترك توقيعهم على كل منتج. لكن اليوم مختلف عن الأمس تهالكت هذه الصناعة وتراجع إنتاجها لعوامل عدة، وغاب ألقها. انتقلت صناعة الأحذية في سوريا من ضجيج طلبيات التصدير إلى ضجيج شكاوي الحرفيين وأنين أصواتهم التي تنذر بكارثة الاندثار. باتت تفتقر هذه الصناعة لأغلب مقوماتها في ظل سكون أي تحرك من المعنيين لإنقاذها من شبح الهلاك.

سوريا عاصمة الجلد والصناعة.. مرحلة تألق صناعة الأحذية

كانت صناعة الأحذية السورية منتشرة في العديد من المناطق في البلاد، لكن تتركز في بعضها كدمشق وحلب التي تعتبر المركز الرئيسي لها، حيث وصل عدد الصناعيين في سوريا إلى 1380 حرفي منهم  1380 حرفي، منهم 630 منتسب للجمعية الحرفية لصناعة الأحذية في دمشق.

بدأت هذه الصناعة تأخذ طابعاً تجارياً متنامياً منذ خمسينيات القرن الماضي، رافق ذلك ازدهار الأسواق المحلية وانفتاح التصدير. سوق التصدير السورية في الماضي كانت مفتوحة على لبنان والعراق وبعض دول الخليج وأحياناً أوروبا، وتجاوزت صادرات سوريا ال 200 مليون دولار من الأحذية وتوابعها ضمن البند الجمركي 64 قبل عام 2010 ولم يتوقف تصدير الأحذية خلال السنوات السابقة لتتخطى في عام 2021 حاجز ال 10 ملايين دولار حسب بيانات مركز التجارة العالمي.

في العام 2023 صدرت سورية حوالي 3 الاف طن من الاحذية بقيمة 10 مليون دولار بارتفاع واضح عن عام 2022 حيث صدرت بقيمة 5 مليون.

يذكر أن إنتاج معمل مصياف للأحذية وحده وصل خلال عام 2024 لـ 151 ألف و485 زوج أحذية من مختلف الأصناف بقيمة قاربت 20 مليار ليرة سورية، في حين وصلت المبيعات خلال ذات الفترة إلى 17 مليار و565 مليون و365 ألف ليرة سورية وفقاً لما كشفته مديرة المعمل نيرمين زودة سابقاً لأحد المنصات الإعلامية.

بعد عرض الصادرات يطرح سؤال هنا، ما الذي يميز “الأحذية المصنعة بسوريا” عن غيرها من المنتجات؟ وما سبب الإقبال على المنتج السوري محلياً وفي أسواق البلدان التي تم التصدير إليها؟

من يتابع صناعة الاحذية في سوريا يدرك كلياً أنها صناعة متقدمة رغم كل نكباتها مؤخراً، ويتم تصديرها وهي ذات جودة عالية وذوق رفيع في اختيار الموديلات والألوان ونوعية الجلد المستخدم والسعر المنافس، حيث تتشاطر السوق المحلية وسوق البلدان المصدر إليها ذات الأسباب للإقبال على المنتج السوري.

ساهمت المعارض في تنمية هذه الصناعة وازدهارها، فكانت المدن السورية أبرزها دمشق وحلب تحتضن معارض للأحذية والجلديات لتعرض المنتج السوري وتقدم جودته للعالم، وكانت هذه المعارض تُقصد من مختلف الدول لتتعرف على المنتج المحلي السوري ذو الجودة والاتقان، آخر هذه المعارض كان بمشاركة 52 شركة محلية وتركية في حزيران الفائت من العام الحالي 2025 وحمل عنوان “حلب تنهض”.

هذا المعرض التخصصي الذي نظمته المدينة الصناعية بالتعاون مع غرفتي تجارة وصناعة حلب، وبرعاية محافظ حلب المهندس “عزام الغريب”، جاء ليؤكد الدعم الرسمي لإحياء وتطوير القطاع الحيوي الذي يُعد من ركائز الاقتصاد الحلبي، وتأتي أهمية المعرض لعرض تفاصيل الفعاليات الحالية وآليات تطوير القطاع، مع الإشارة إلى خطط دعم التصدير وتبني التكنولوجيا الحديثة لرفع كفاءة الإنتاج.

اقرأ أيضاً: رامي العلي: من كلية الفنون الجميلة إلى أكثر 500 شخصية تأثيراً في صناعة الأزياء

الاندثار يلوح في الأفق.. ما الأسباب؟

صمت الورش يخرقه دوي إنذار الاندثار، وأصوات المحتجين.. تظاهر عشرات من أصحاب ورشات صناعة الأحذية إلى جانب عدد من العمال، في “حي الصالحين” بمدينة حلب، الاثنين 11 آب 2025، للمطالبة بضبط استيراد البضائع الصينية بسبب تأثيرها على الصناعة المحلية، إلى جانب غزو المنتجات التركية السوق السورية لاسيما  السوق الحلبية بمختلف أشكالها، هذا ما يزيد من مرارة سوق هذه الصناعة ويزيد الضغط عليها.

اعتبر أصحاب الورشات المشاركون بالمظاهرة أن البضائع الصينية تسببت بكساد المنتجات الوطنية وتراجع الطلب عليها، وشارك في الاحتجاج أصحاب ورشات متوقفة عن العمل منذ أشهر، نتيجة ما وصفوه بالمنافسة غير العادلة مع السلع المستوردة، التي تباع بأسعار أقل من تكلفة الإنتاج المحلي، ما يعود عليهم بخسائر تدفعهم لترك هذه الصناعة.

في ظل هذا الاحتجاج طالب المحتجون بفرض قيود على الاستيراد، وتوفير دعم حكومي للصناعات المحلية، كخطوة ضرورية لإنقاذ ما تبقى من الورشات والمهن التقليدية في حلب التي يعتاش منها آلاف العائلات في المدينة وتعتبر مصدر رزقهم الوحيد.

سُجلت عوامل أخرى أدت لتراجع هذه الصناعة واقترابها من الانهيار في الأعوام السابقة، منها الأزمات المتراكمة التي عصفت بهذه الصناعة، أبرزها التكدّس في الأسواق وغياب دعم الحكومة السابقة وسكون الحالية رغم تنظيم معرض للجلديات لكن لم تترجم نتائجه على أرض الواقع ولم يرحب الحرفيين فيه بحفاوة لعرض المنتجات التركية فيه التي تعتبر منافسة للمحلية، إلى جانب انخفاض القدرة الشرائية للسكان المستمرة من سنوات واستمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، مع ارتفاع أسعار المنتجات وتراجع جودتها، مما أفقد المنتج السوري قدرته على المنافسة الخارجية وأثر سلباً على حركة التصدير، لتتكدس البضائع في الأسواق المحلية ويخف الطلب عليها ويُتجه للمستورد.

إضافة لانتشار التهريب في الفترة الحالية في بعض المناطق، مما يضر بالسوق المحلية، بالتزامن مع ما عانت منه هذه الصناعة جراء هجرة الحرفيين “شيوخ الكار” واستقرارهم في بلدان الاغتراب، لكن العامل القاصم هو دخول منتجات منخفضة الجودة بأسعار زهيدة، ما أفقد المنتج المحلي قدرته على المنافسة وأدى لإغلاق مئات الورشات.

اقرأ أيضاً: صناعة الأدوية في سوريا من أزمات الحرب إلى بوادر الانفتاح.. هل ستنتعش قريباً؟

هل من حلول ممكنة.. ما آراء الخبراء؟

يبرع السوري بكل شيء فهو صاحب عقل مُتقد ومبتكر، يتحدى معظم الظروف ويبرع في خلق حلول للمشكلات التي تصادفه، فصناعة الأحذية في سوريا كانت داعم مهم لصادرات البلاد ومنتج محلي يُعرّف بمهاره الحرفي السوري، وفي ظل ما تشهده هذه الصناعة من تحديات هناك جملة حلول مقترحة من قبل الصناعيين والحرفيين وذوي الصلّة بهذه المهنة يمكن لها أن تساهم في نهوضها، حيث تتعالى المطالبات من قبل الحرفيين والصناعيين والخبراء بضرورة توفير المشتقات النفطية والغاز وفق الحاجة الحقيقية، في ظل التقنين الكهربائي المستمر وغير المنتظم والذي لا يسمح لهم بوضع برنامج عمل مناسب.

في تصريح سابق لرئيس الجمعية الحرفية لصناعة الأحذية بدمشق، طالب اتحاد الحرفيين بإعادة دوره في رعاية الحرفيين عبر تأمين المواد الأولية اللازمة في صناعتهم بأسعار مقبولة، وإقامة معارض خارجية تسمح للحرفيين بتسويق منتجاتهم، الأمر الذي سيؤثر في زيادة إنتاجهم. وسط دعوات إلى تقديم تسهيلات للحرفيين من قبل الخبراء، كمنح قروض الطاقة الشمسية لتأمين الكهرباء للإنتاج، وتبسيط إجراءات استيراد المواد الأولية، إضافة إلى خفض الضرائب المفروضة عليهم، مع التشديد على ضرورة استعادة الأسواق الخارجية عبر تنسيق الجهود بين جميع الأطراف المعنية.

مع التوجه لاحتساب الأوجه المستوردة وفق معايير الإنتاج المرخصة، ومنع استيراد الأوجه المصنّعة من الجلد الطبيعي، وفرض ضميمة عالية (بند جمركي استخدمته الحكومة السابقة في التخليص الجمركي للبضاعة المستوردة أواخر العام 2023) على الأوجه المستوردة لتحقيق توازن في الأسعار، وتشجيع التعاون بين معامل صناعة الأنعال والحرفيين لإنتاج الأوجه محلياً.

اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة تصدر قرارات لتسهيل عمل المنشآت الصناعية في سوريا

ختاماً، صناعة الأحذية في سوريا من الصناعات العريقة والمُعرِفة بالمنتج السوري في سوق التصدير، اندثارها ليس اندثار حرفة رافدة للاقتصاد بل اندثار تراث حقيقي وفخر صناعي على الأجيال توارثه وليس نسيانه والاحجام عنه. ينبغي على المعنيين في السلطات الحالية التحرك لإنقاذ ما تبقى من هذه الصناعة ومساعدة الحرفيين المحليين على إعادة النهوض بها عبر تطبيق الخطط المقترحة من الخبراء، والعمل على إعادة استقطاب الأيدي العاملة التي هاجرت خارج البلد.. والأهم وقف المنتج المستورد أو فرض قيود عليه وتحقيق التوازن في السوق.. فعبارة “صنع في سوريا” يجب أن تبقى رائدة في الأسواق الإقليمية، لأن المنتج السوري الحِرفي يستحق ذلك.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.