لم يعد ذكر نهر بردى استدعاءً لحنين قديم، بل صار اختباراً لقدرة دمشق على حماية صحتها وخدماتها، لأن النهر في المدينة ليس لوحة ساكنة بل جزء من منظومة ماء وصرف وتشغيل وصيانة، وحين تضطرب هذه المنظومة يصبح الماء قضية عامة.
في مطلع 2026 أوردت اليونيسف أن 14.4 مليون شخص في سوريا، بينهم 6 ملايين طفل، بحاجة عاجلة لدعم في خدمات المياه والصرف والنظافة. ضمن هذا الإطار يصبح نهر بردى مرآة لتحديات تلتقي فيها الندرة بنوعية المياه وبقدرة المؤسسات على تشغيل الأنظمة واستدامتها.
نهر بردى ومستقبل دمشق
العلامة الأوضح على ارتباط نهر بردى بمستقبل دمشق خرجت من ربيع 2025، حين نقل تقرير دولي أن نبع عين الفيجة في وادي بردى كاد يجف، وأن الينبوع والنهر الذي يغذيه يمثلان المصدر الرئيسي لمياه نحو خمسة ملايين شخص في دمشق وريفها، ويؤمنان قرابة 70% من احتياجاتهم، مع إشارة رسمية إلى أن ذلك العام شهد أدنى هطول مطري منذ 1956. التقرير نفسه وصف اضطرار كثيرين للاعتماد على صهاريج تستمد ماءها من آبار محلية.
هذه الأرقام تعطي معنى عملياً لعبارة الأمن المائي الحضري، فالمشكلة لا تبدأ عند مجرى النهر داخل المدينة، بل عند هشاشة الإمداد حين يتراجع الهطول أو تتعطل البنى التحتية. اللجنة الدولية للصليب الأحمر لفتت إلى أن سوريا بات لديها حتى 40% أقل من مياه الشرب مقارنة بعقد سابق، وأن أنظمة المياه تعتمد على الكهرباء بشكل يجعل أي تعثر في الطاقة ينعكس على الضخ والمعالجة.
وقراءة نهر بردى ضمن هذا السياق تقود إلى أولوية مزدوجة، تخفيف الطلب عبر إدارة الفاقد والاستهلاك، وتقوية القدرة التشغيلية عبر صيانة وتمويل ومعرفة فنية لا تنقطع.
حوض بردى بين الينابيع والآبار
توازن نهر بردى لا يُفهم دون رؤية الحوض كله، فدراسة منشورة عام 2019 تذكر أن المياه المتاحة في حوض بردى وأعوج تقل عن 5% من إجمالي المياه المتاحة في سوريا، بينما يضم الحوض نحو 29.7% من سكان البلاد. الدراسة تشير أيضاً إلى تناقضات بين تقديرات العجز المائي، لكنها ترى أن الاستنزاف اتجاه عام يتكرر عبر مصادر متعددة، وهو ما يجعل تحديث البيانات ومشاركة النتائج شرطاً لأي خطة قابلة للتنفيذ.
تقرير INECO عام 2009 يصف الحوض كمساحة تقارب 8630 كيلومتراً مربعاً، مع تباين حاد في المطر بين الغرب المرتفع والشرق الأكثر جفافاً، وهو تباين يشرح لماذا تتغير التغذية الطبيعية مكانياً وزمانياً. ومن زاوية علمية، ذكرت دراسة هيدروجيولوجية أن بحوث عين الفيجة صممت لتحديد مسارات الجريان ووحدات التخزين والتصريف والعائد الموثوق للمصدر، بهدف توفير أساس لقرار الضخ لتعزيز الجريان في المواسم المنخفضة باعتبار النبع مصدراً رئيسياً لدمشق.
وتذكر وثيقة للبنك الدولي عن مشروع تزويد دمشق بالمياه أن المشروع شمل جداراً قاطعاً تحت الأرض لزيادة التدفق المتاح، وإنشاءات للحد من تلوث مياه السطح عند نبع الفيجة.
مياه معالجة تعيد نبضاً
رفع كميات الماء دون معالجة التلوث قد يضاعف الخطر، لأن الماء الملوث ينقل العبء من مجرى النهر إلى صحة السكان والمياه الجوفية. تقرير INECO يذكر أن معظم تجمعات الحوض، باستثناء مدينة دمشق وبعض الضواحي، كانت تصرف مياهها العادمة إلى الأرض أو إلى الأنهار، وأن معظم مياه الصرف الصناعي كانت تُطرح دون معالجة مسبقة في مجرى بردى، مع تقدير للطلب الحيوي للأكسجين الناتج عن الصرف الصناعي وحده بنحو 12.5 طن يومياً.
وفي قياسات أوردها التقرير سجل أحد الروافد في مطلع 2006 نحو 130 ملغ لكل ليتر من الطلب الحيوي للأكسجين مقابل حد أقصى 25 ملغ لكل ليتر وفق معيار بريطاني استشهد به التقرير، كما أشار إلى تراكيز نترات مرتفعة تتجاوز حد مياه الشرب.
تقارير تحليلية إقليمية تؤكد أن مياه الصرف المنزلية ترفع مؤشرات التلوث في بردى، وأن مياه الينابيع والمياه الجوفية قد تظهر مستويات مرتفعة من الإيكولاي بسبب تسرب الصرف، كما تذكر أن النترات في بعض آبار ريف دمشق المستخدمة للشرب قد تصل إلى 120 و200 ملغ لكل ليتر، أي حتى أربعة أضعاف معيار منظمة الصحة العالمية. من هنا تبرز إعادة استخدام المياه المعالجة في الري كخيار لتخفيف الضغط عن الينابيع والآبار، بشرط حوكمة صارمة تضمن نوعية المعالجة ومراقبتها.
مثال على انتقال النقاش من مجرى النهر إلى الحوض ظهر في تقرير لصحيفة سورية عن تشغيل محطتي معالجة لمياه الشرب في عدرا ويلدا، حيث نقل عن مدير مؤسسة المياه أن مناطق من الغوطة الشرقية وجنوب دمشق عانت ارتفاع النترات بسبب تسرب الصرف إلى الحوض واختلاطه بالمياه الجوفية، وأن المحطتين استهدفتا إزالة النترات بدعم تشيكي وبكلفة إجمالية نحو 830 ألف دولار، مع منظومات طاقة شمسية للتشغيل.
اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل
سياسات حوكمة ورقابة محلية
لا توجد تقنية تتحمل وحدها غياب الحوكمة، ولهذا يصبح مستقبل نهر بردى مرتبطاً بوضوح المسؤوليات وبالرقابة وبالاستدامة المالية والمؤسسية. تقرير INECO يتحدث عن تداخل المسؤوليات وضعف القدرات الفنية والمؤسسية كعائق أمام تطبيق سياسات إدارة المياه، ويقترح استخدام أدوات تنظيمية واقتصادية تشجع المنشآت الصناعية على المعالجة، وتنظم استخدام الكيماويات الزراعية، مع الاهتمام باستدامة خدمات المياه.
وفي الاتجاه نفسه، أشارت اليونيسف عام 2026 إلى دعم إعادة تأهيل بنى مياه الشرب والصرف وتحسين كفاءة الأنظمة وبناء قدرات التشغيل والصيانة، مع الاستثمار في تقييمات هيدروجيولوجية محدثة وحلول أكثر تحملاً لندرة الماء.
ذاكرة ثقافية ومسؤولية مدنية
للأنهار لغة ثانية لا تكتبها المختبرات، لذلك ظل بردى حاضراً في أدب السوريين حتى عندما تراجع حضوره في الحياة اليومية. كتب نزار قباني: بردى، يا أبا النهور جميعاً، فاستعاد النهر كأب رمزي يختصر معنى الاستمرار. وكتب محمد الماغوط: بردى الذي كان ينساب كسهلٍ من الزنبق البلوري، ثم جعل الصورة مدخلاً لحسرة على تحولات المكان.
وبين الشاعر الذي يرفع النهر إلى مقام الرمز، والشاعر الذي يلتقط تفاصيل الخيبة، تتقدم فكرة بسيطة، أن حماية نهر بردى ليست مشروعاً طبيعياً فحسب، بل عقداً مدنياً يربط السكان بالمؤسسات وبالمعرفة، ويحوّل الذاكرة إلى مساءلة واقعية عن أولويات الإصلاح، من منع التصريف غير المعالج إلى ترشيد الاستهلاك وتثبيت مراقبة نوعية المياه.
اقرأ أيضاً: «نهر الجنة».. كيف جفَّ نهر بردى ووصل إلى هذه الحال؟