تمثل السكك الحديدية السورية فرصة محورية لإعادة الإعمار الوطني، وتعزيز التكامل الإقليمي، وتنشيط الاقتصاد، وذلك نظراً لموقعها الجغرافي المتميز، حيث تعتبر ممراً إقليمياً بين آسيا وأوروبا.
إلا أن الأضرار الجسيمة التي تعرضت لها منظومة السكك الحديدية في سوريا خلال السنوات السابقة تجعل إعادة تأهيلها تجربة تحمل معها العديد من المتطلبات والتحديات الاقتصادية والاستراتيجية، وعلى الرغم من ذلك فإن النجاح في ذلك يمكن أن يُعيد تعريف الدور الاقتصادي لسوريا في المنطقة.
تاريخ الخطوط الحديدية السورية
خلال فترة الانتداب الفرنسي، أُنشئ أول مرجع حكومي لإدارة الخطوط الحديدية في سوريا عام 1923، ثم استلمت الحكومة السورية في عام 1948 القسم السوري من خط حديد بغداد، بعد ذلك وتحديداً في عام 1956، صدر قانون يُكلف مديرية سكك حديد الدولة السورية باستلام وإدارة الخطوط الحديدية التي تم شراؤها من شركة “شام – حماه وتمديداتها”.
ثم في عام 1977، أُلغي دمج مؤسسة إنشاء الخطوط الحديدية مع مؤسسة سكك حديد سوريا، وتم تأسيس الشركة العامة لإنشاء الخطوط الحديدية، في حين بقيت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية هي المسؤولة عن استثمار الخطوط الحديدية الموجودة في حينها.
ومن أبرز المهام التي تتولاها المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية لدعم الاقتصاد الوطني، ما يلي:
- نقل البضائع والسلع بين المحافظات السورية ومنافذها البرية والبحرية.
- تسهيل نقل المنتجات من مواقع الإنتاج إلى الأسواق الداخلية أو منافذ التصدير.
- دعم التجارة الداخلية والخارجية عبر تسريع نقل البضائع بأسعار مناسبة.
- تأمين نقل الركاب بين مختلف محافظات البلاد.
تأهيل السكك الحديدية في سوريا والعوائد الاقتصادية المنتظرة
باعتبار أن النقل هو شرط أساسي لتنمية الاقتصاد، فلا شك في أن خطوط السكك الحديدية هي واحدة من أكثر وسائل النقل فاعلية وذلك لأن:
- شبكة السكك الحديدية هي منصة التواصل الإقليمية وأساس النمو المشترك للمنطقة بسبب قدرتها على إقامة روابط متنوعة مع صناعات مختلفة.
- تعمل السكك الحديدية على تحسين إمكانية الوصول، وخفض تكاليف التبادل المحلي، وتشجيع تحسين الموارد المحلية وتعزيز التصنيع.
- تتمتع السكك الحديدية بسمات ذات قدرة كبيرة على خدمة النقل على نطاق واسع، وتعد استثماراً كبيراً في البنية التحتية.
الوضع الراهن والتحديات الحالية
تعرضت السكك الحديدية في سورية لأضرار جسيمة خلال السنوات الماضية، حيث تقدر الخسائر المادية في هذا القطاع بنحو 642 مليار ليرة سورية خلال السنوات الـ 14 الماضية.
يُقدر عدد الخطوط المتوقفة نتيجة عطل أو ضرر بـ 80%، حيث أن العديد من المحاور أُصبحت خارج الخدمة، بالإضافة إلى ذلك نقص شديد في القاطرات والعربات الصالحة للخدمة وانتهاء عمرها التشغيلي المقدر بـ 40 -60 عام.
وبحسب تصريحات المؤسسة العامة للسكك الحديدية، يُعاني القطاع من تحديات تشغيلية عديدة أبرزها بطء السرعة الذي يبلغ في المتوسط أقل من 50 كم/ساعة، بالإضافة إلى نقص الوقود اللازم لتشغيل القطارات وعدم إجراء صيانة دورية للعربات.
وبحسب البيانات المتاحة من وزارة النقل فقد شهد عدد الركاب على الخطوط الحديدية خلال الأعوام (2009-2024) تقلبات كبيرة، في حين أن كمية البضائع المنقولة قد انخفضت بشكل كبير على مدى 16 عاماً.
الحوافز الاستثمارية وآليات الاستثمار المقترحة
بعد الحديث عن الواقع الراهن لشبكة الخطوط الحديدية يمكننا الحديث عن الحوافز الاستثمارية لتأهيل هذه المنظومة الحيوية، بالإضافة إلى الفرص الاستثمارية اللازمة لإعادة تفعيل دور السكك الحديدة الدولي والمحلي ليكون من أهم وسائل النقل التي تساهم بإعادة الإعمار، وذلك وفق ما كتبته الدكتورة ديمة حسين فارس.
الحوافز الاستثمارية
تبرز الإعفاءات الجمركية في طليعة الحوافز الاستثمارية، حيث تشمل إعفاء مستوردات الآلات والتجهيزات وخطوط الإنتاج ووسائط النقل الخدمية غير السياحية من جميع الرسوم الجمركية، مما يقلل من تكاليف الاستثمار الأولية، كما أن هناك تخفيض ضريبي يصل إلى 75% لمدة عشر سنوات للمشاريع التي تقام في المناطق التنموية أو التي تصدّر أكثر من 50% من طاقتها الإنتاجية.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى الحكومة السورية إلى جذب شركات نقل كبيرة وذات خبرة لإصلاح شبكة السكك الحديدية، مما يفتح المجال أمام استثمارات طويلة الأجل وتحسين جودة الخدمة.
كما أن وجود 60% من المسارات تحتاج إلى صيانة فقط بدلاً من إنشاء مسارات جديدة، ووفرة مهندسي السكك المحليين وفني الصيانة بأجور منخفضة عن الدول المجاورة، يمثل حافزاً استثمارياً جيداً لإعادة تأهيل المنظومة.
المراحل المقترحة لإعادة التأهيل
تجزئة مراحل العمل المطروحة للاستثمار تساعد في تأهيل السكك الحديدية وخاصة في وجود محاور محلية للنقل تضمن تأهيل الخطوط القصيرة المربحة مثل (اللاذقية – حلب – دمشق) وتحديث المناطق ذات الأهمية الصناعية.
بالإضافة إلى محاور دولية كمحور “البصيرة – التنف” (156 كم) الذي يربط سورية بالعراق ودول الخليج، ومحور دير الزور – البوكمال – الحدود العراقية (143 كم)، ومحور دمشق – درعا – الأردن (107 كم) لربط أوروبا بآسيا جنوباً.
تجارب الدول الأخرى
إن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في تأهيل السكك الحديدية تسهم في تحديد أولويات التأهيل وتساعد على تحديد الشركاء المحتملين للاستثمار في هذا القطاع من مستثمرين محليين ودوليين، وتحديد نماذج التمويل، والاستعانة بالمنظمات الدولية ذات الصلة.
حيث تتشابه تجربة كرواتيا مع الوضع السوري حالياً، فقد نجحت كرواتيا في تأهيل الخط الذي يربط العاصمة بأكبر ميناء ضمن كرواتيا وتمكنت من تدريب وتأهيل العاملين في السكك الحديدية واستطاعت نقل حصة النقل من خلال السكك الحديدية من السوق البري إلى 38% في عام 2023 مقارنة ب 15% عام 2000.
أُسس النجاح
رؤية نجاح إعادة تأهيل منظومة السكك الحديدية في سوريا واستثمارها، تتعلق بتنفيذ برنامج استثماري متكامل، أساسه شراكة استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، وتنفيذ تدابير محفزة تسهم في استقطاب رأس المال المحلي والأجنبي وخاصة بعد رفع العقوبات.
وفي ظل التعاون العربي السعودي القطري مع الحكومة السورية يطرح هذا التأهيل نفسه عبر صيغتين للاستثمار:
- BOT (بناء – تشغيل – نقل) مع ضمان الحد الأدنى للإيرادات.
- إدارة مشتركة بين المستثمرين والمؤسسة العامة للسكك الحديدية.
آخر التطورات في قطاع السكك الحديدية في سوريا
بعد توقف استمر منذ عام 2012، وعقب انتهاء أعمال صيانة وتأهيل شاملة، انطلقت يوم الخميس 14 آب الجاري، أول رحلة قطار للسكك الحديدية “الترين سيت” من محطة بغداد في حلب إلى محطة القدم بدمشق.
هذا وقد كانت أول رحلة تجريبية قد انطلقت في 7 آب الجاري من حلب إلى حماة، بعد توقف دام 13 عاماً، ضمن خطة لإعادة تفعيل شبكة السكك الحديدية السورية.
وخلال حديثه لإحدى الصحف المحلية، أكد المدير العام للسكك الحديدية المهندس أسامة حداد أن المؤسسة تعمل على إعادة تفعيل نقل الركاب بين المحافظات ضمن خطة قريبة المدى، وفق الإمكانات المتاحة بالحد الأدنى المتوفر.
وتوقع حداد البدء بمشاريع استثمارية ضخمة لصيانة وإعادة تأهيل وتطوير الخطوط الاستراتيجية وذلك عن طريق استثمارات داخلية وخارجية، خلال نهاية العام الجاري.
ووفقاً لـ حداد، يُشار إلى أن عدد القاطرات الجاهزة حالياً للعمل تمثل ما نسبته 20% مما كان متوفراً خلال فترة ما قبل عام 2011.
هل يمكن تطبيق تجربة الصين في سوريا؟
تتجه الصين نحو تطوير قطارات ركاب متطورة بتقنية الوسادة المغناطيسية (Maglev)، حيث كشفت شركة «CCRC» عن نموذج أولي تصل سرعته إلى 600 كلم/ساعة.
ويُعد هذا القطار الأول من نوعه في الصين الذي يستخدم نظام تعليق يعتمد على مغناطيسات فائقة التوصيل، وتهدف الشركة إلى تشغيله على الخطوط الرئيسية التي تربط المدن الكبرى.
وعلى الرغم من أن سرعته الفائقة تُعتبر ميزة رئيسية، إلا أنه يواجه تحديات مثل سعة الركاب المحدودة وتكاليف الإنشاء المرتفعة، مما يجعله مكملاً للقطارات السريعة الحالية.
مزايا تجربة مشابهة في سوريا
في حال اتجه قطاع السكك الحديدية في سوريا لتجربة مماثلة لتجربة الصين، فذلك سيكون مدعوماً بالموقع الذي تتمتع به البلاد وإمكانية تحقيق حلقة وصل إقليمية.
كما سوف يساهم هكذا مشروع في دعم الاقتصاد الوطني كونه يعتبر خطوة سبّاقة في المنطقة وخصوصاً في مجال التجارة الخارجية، كما أنه سيدعم قطاع السياحة في البلاد نظراً للتجربة الفريدة في المنطقة.
اقرأ أيضاً: أجنحة تهبط وأخرى تنهض وتراهن.. ما جديد قطاع الطيران السوري؟!
تحديات تجربة القطار المغناطيسي في سوريا
تحتاج هذه التجربة إلى تكلفة اقتصادية عالية، حيث لا يمكن البدء بها إلا بعد إعادة تأهيل الخطوط الحديدية الحالية والتي تعرضت لأضرار جسيمة خلال السنوات السابقة.
كما أن هناك العديد من التعديات على حرم السكك الحديدية مما يعيق إعادة تأهيلها وسط الظروف الحالية التي تمر بها البلاد.
هكذا مشروع يحتاج إلى عنصرين رئيسيين، وهما القوة الاقتصادية والبنية التحتية المتينة، وهاتان هما أبرز نقاط الضعف التي تُعاني منها سوريا في المرحلة الحالية.
اقرأ أيضاً: الموانئ الجافة: نقطة انطلاق قوية لتعزيز الاقتصاد السوري
في الختام، إعادة تأهيل السكك الحديدية في سورية تمثل فرصة استراتيجية ذات عوائد طويلة الأمد فهي ليست مجرد عملية إصلاح بل هي إعادة ربط سوريا باقتصاديات المنطقة والعالم حيث تمثل سوريا البوابة البرية الأخيرة غير المستغلة بين آسيا وأوروبا، واستثمار سككها الحديدية ليس اختياراً بل فرصة تاريخية، ولربما تكون هناك فرصة في المستقبل لتجربة قطار الشرق الاقتصادي الجديد بتقنية مشابهة للتقنية الصينية


