الكاتب: أحمد علي
حين تبدأ دوائر الأحوال المدنية في الحسكة باستقبال طلبات الجنسية، لا يكون الحدث إدارياً فقط. الورق هنا يلامس طبقة أعمق من الحياة العامة، لأن الجنسية في هذه الحالة باب إلى الاعتراف القانوني الكامل، وإلى الحقوق التي بقيت معلقة لعقود، وإلى سؤال أكبر من المعاملة نفسها، وهو ما إذا كانت الدولة تمضي فعلاً نحو تسوية مواطنة أوسع في شمال شرق سوريا.
الخطوة التي بدأت يوم 6 نيسان في الحسكة جاءت بعد إعلان وزارة الداخلية بدء المرحلة الأولى من التنفيذ في خمس محافظات، وبعد أشهر من صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026. لذلك يصعب قراءتها كإجراء محلي ضيق. الأصح أنها اختبار مبكر لمدى قدرة النص القانوني على التحول إلى واقع، ومدى استعداد مؤسسات الدولة لإقفال واحد من أقدم الملفات المفتوحة في البلاد، لا بوصفه ملفاً كردياً فقط، بل بوصفه ملف مواطنة سورية ناقصة.
تجنيس أكراد الحسكة من النص إلى التنفيذ
المعطيات المعلنة ترسم صورة واضحة نسبياً. وزارة الداخلية قالت في الأول من نيسان إن استقبال الطلبات سيبدأ اعتباراً من السادس منه ضمن مرحلة أولى تشمل دمشق وحلب والحسكة والرقة ودير الزور. وفي الحسكة افتتحت مراكز في مدينة الحسكة والقامشلي والدرباسية والجوادية والمالكية، مع طلب وثائق تعريف وإقامة، واستمرار استقبال الطلبات ثلاثين يوماً قابلة للتمديد.
أهمية هذه البداية لا تعود إلى اتساع المراكز فقط. المرسوم نفسه، الصادر في 16 كانون الثاني، لم يقتصر على منح الجنسية، بل نص على إلغاء الإجراءات الاستثنائية الناتجة عن إحصاء 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية لكل المقيمين من أصول كردية، بمن فيهم غير المسجلين سابقاً، مع مساواة كاملة في الحقوق والواجبات. كما ربط ذلك باعتراف أوسع بالهوية الثقافية واللغوية، وبمنع التمييز على أساس العرق أو اللغة. هذا التكوين القانوني يجعل الملف أوسع من معاملة أحوال مدنية، لأنه يصل بين الجنسية وبين فكرة الإدماج الوطني نفسها.
إرث الإحصاء لم ينته
السبب في حساسية الملف معروف. الإحصاء الاستثنائي الذي أجري في الحسكة عام 1962 جرّد عشرات آلاف الأكراد من الجنسية في لحظة واحدة، ثم توسعت آثاره مع الوقت لأن الحالة انتقلت إلى الأبناء. منظمات حقوقية وثقت مبكراً أن نحو 120 ألف كردي فقدوا جنسيتهم يومها، ثم ارتفعت التقديرات لاحقاً إلى مئات الآلاف. وتشير مرجعيات أوروبية حديثة إلى أن الملف انقسم عملياً إلى فئتين، أجانب الحسكة ومكتومي القيد، وأن آثار الحرمان لم تكن قانونية فقط، بل مسّت العمل والتعليم والرعاية الصحية والملكية والتسجيل المدني والتنقل.
مرسوم 49 لعام 2011 فتح باباً جزئياً للحل، لكنه لم يغلقه. فقد شمل المسجلين في فئة أجانب الحسكة، بينما بقي مكتومو القيد خارج المعالجة المباشرة، وبقيت حالات أخرى عالقة. وهذا ما التقطته جهات متعددة قبل سنوات حين كتبت أن الملف لم يُغلق نهائياً، وأن آلاف الأكراد ظلوا فعلياً ضمن وضع قانوني ناقص. من هنا تأتي أهمية ما يجري الآن، لأن المرسوم الجديد يعلن صراحة شمول غير المسجلين أيضاً، أي إنه يحاول معالجة الثغرة التي جعلت تسوية 2011 ناقصة بحكم التعريف.
ما الذي يتغير فعلاً؟
الجنسية هنا ليست مجرد لقب قانوني. من بقي خارج السجل عاش سنوات طويلة في منطقة رمادية، موجود اجتماعياً لكنه ناقص الاعتراف رسمياً. لذلك فإن أي تقدم في هذا الملف يعني شيئاً مباشراً في الحياة اليومية، من تسجيل الواقعات المدنية إلى الحصول على الوثائق الشخصية، ومن توسيع فرص التعليم والعمل إلى تخفيف هشاشة العلاقة مع مؤسسات الدولة.
لهذا السبب، يمكن فهم الإقبال على المراكز الجديدة بوصفه مؤشراً اجتماعياً لا إدارياً فقط. الناس لا تذهب لتصحيح خانة شكلية، بل لتثبيت وجودها القانوني. ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة. ما يبدأ بإيصال طلب لا ينتهي تلقائياً ببطاقة وهوية وسجل مكتمل. المسار الحقيقي سيقاس بسرعة البت بالطلبات، وبقدرة اللجان على التعامل مع الحالات المعقدة، وبما إذا كانت المعالجة ستبقى مرنة وشاملة، أم ستتعثر عند تفاصيل الإثبات والتدقيق.
بين التسوية والإجراء
السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الخطوة جزءاً من تسوية مواطنة أوسع. هناك ما يدفع إلى هذا الاستنتاج، ولو بحذر. المرسوم رقم 13 لم يتحدث عن الجنسية وحدها، بل عن لغة وطنية، وخطاب وطني جامع، ومنع للتمييز، وعطلة رسمية لعيد النوروز. كما جاء في لحظة سياسية ترتبط بمحاولة أوسع لإعادة دمج الشمال الشرقي ضمن مؤسسات الدولة، بعد اتفاق 30 كانون الثاني بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية على وقف النار ومسار إدماج تدريجي للمنطقة ومؤسساتها.
لكن هذا الربط لا يكفي وحده للحسم. التسوية الواسعة لا تُقاس بجودة النص فقط، بل بما ينتج عنه بعد ذلك. إذا بقيت الجنسية خطوة قائمة بذاتها، فقد تكون معالجة مهمة لظلم تاريخي، لكنها لن تبلغ وحدها مستوى تسوية مواطنة كاملة. أما إذا ترافقت مع انتظام في الوثائق، وتوسيع فعلي للخدمات، واعتراف مستقر بالحقوق الثقافية، ومشاركة أوضح في مؤسسات الدولة، فإن معناها سيتجاوز الحسكة بوصفها جغرافيا، ليصل إلى صياغة جديدة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها الأكراد.
اختبار الدولة في التفاصيل
المعيار الحاسم الآن ليس في الإعلان بل في التنفيذ. الوثائق المطلوبة تبدو أبسط من مسارات سابقة، وهذا عنصر إيجابي، لكن الفئات الأكثر هشاشة هي غالباً الأقل قدرة على إثبات كل شيء بسهولة بعد عقود من الخلل في التسجيل. هنا تظهر وظيفة الدولة لا كجهة تحقق فقط، بل كجهة تبحث عن تسوية منصفة داخل القانون. كل تعقيد زائد سيعيد إنتاج جزء من المشكلة التي يُقال اليوم إنه يجري حلها.
كذلك، فإن نجاح المعالجة يحتاج إلى تماسك بين المركز والأطراف، وإلى توحيد في آلية التطبيق، وإلى رسائل سياسية لا تربط الحقوق بالحسابات الظرفية. هذا مهم لأن الملف في أصله ليس منحة سياسية، بل تصحيح متأخر لوضع غير عادل استمر طويلاً. وكلما جرى التعاطي معه بهذه الروحية، اقترب من أن يكون خطوة تأسيسية. وكلما جرى اختزاله إلى حملة معاملات، بقي محصوراً في حدوده الإدارية.
الجواب المبكر إذن هو أن الباب فُتح، لكن الحكم على اتجاهه ما زال معلقاً. بدء استقبال الطلبات في الحسكة خطوة ثقيلة المعنى، لأنها تمس جوهر الاندماج القانوني والسياسي لشريحة واسعة من السوريين. غير أن التسوية الأوسع لا تكتمل بفتح المراكز وحده، بل بإقفال آثار الإقصاء فعلاً، في السجل وفي المدرسة وفي العمل وفي الخطاب العام. عندها فقط يمكن القول إن الدولة لم تمنح جنسية فحسب، بل بدأت فعلاً بترميم معنى المواطنة نفسها.
اقرأ أيضاً: المواطنة المعلقة: قصة الأكراد السوريين بين إحصاء الحسكة ومرسوم الاعتراف