بقلم هلا يوسف
لم تنتهِ رحلة النزوح بالنسبة للكثير من السوريين عند العودة إلى سوريا فقط، بل بدأت رحلة أخرى لم تكن في حساباتهم، وهي رحلة استرجاع أملاكهم! فالكثير من العائلات عادت إلى منازلها لتجد أشخاصاً آخرين يسكنونها ومعهم أوراق ثبوتية بها. ونحن في موقعنا تحدثنا في العديد من المقالات عن هذه الحالات في حمص ودمشق، ونقلنا رؤية القانون لها. لكن في حالة محافظة حلب أصبح القانون نفسه هو المشكلة، من بطء مسار القضاء، وتعقيدات الإجراءات، وحتى في حالات أخرى تم تغريم المالك الأصلي!
إذا عدنا إلى الوراء فسنجد أن سنوات الحرب لم تقتصر على هجرة السكان وترك منازلهم، بل تعدت ذلك إلى استيلاء جهات مختلفة على هذه العقارات، سواء عبر وضع اليد المباشر أو من خلال عمليات بيع ونقل ملكية جرت في غياب أصحابها. ومع مرور الوقت، تراكمت هذه الممارسات لتخلق وضعاً معقداً، أصبحت فيه ملكية العقار الواحد محل نزاع بين عدة أطراف، لكل منهم وثائق وادعاءات مختلفة.
منازل مفقودة ونزاعات متشابكة
مع عودة الأهالي بدأت تتكشف طبيعة المشكلة بشكل أوضح. فبعضهم وجد منازله مشغولة من قبل آخرين، بينما اكتشف آخرون أن ممتلكاتهم بيعت أكثر من مرة، مما أدخلهم في دوامة من النزاعات القضائية. وفي حالات معينة، لم يكن المالك الأصلي قادراً على استعادة منزله رغم امتلاكه وثائق تثبت ملكيته، بسبب وجود عقود بيع لاحقة استند إليها شاغلو العقار.
وتبرز شهادات المتضررين حجم هذا التعقيد، إذ يروي أحدهم أنه عاد إلى منزله فوجده خالياً، فظن أن بإمكانه استعادته بسهولة، لكنه فوجئ لاحقاً بدعوى قضائية أقامها مشترون جدد. لم تقتصر نتائج القضية على خسارته للمنزل، بل شملت أيضاً فرض غرامة مالية عليه والحكم بسجنه لفترة محدودة، مما يعكس مدى تعقيد المشهد القانوني.
وفي حالات أخرى، اضطر بعض الملّاك إلى بيع ممتلكاتهم بأسعار زهيدة تحت الضغط أو التهديد، بينما لجأ آخرون إلى الامتناع عن رفع دعاوى قضائية خوفاً من خسارة ممتلكاتهم نهائياً، خاصة في ظل وجود بيئة قانونية غير مستقرة.
مسارات المعالجة وحدودها
أمام هذا الواقع، جرى العمل على إنشاء لجان محلية لمعالجة قضايا الاستيلاء على العقارات، كان أبرزها لجان مختصة بالنظر في حالات “الغصب البيّن”. وقد استقبلت هذه اللجان مئات الشكاوى، وتمكنت من معالجة جزء منها، سواء عبر إعادة العقارات إلى أصحابها أو تسوية النزاعات بشكل ودي.
إلا أن حجم القضايا وتعقيدها دفع هذه اللجان فيما بعد إلى إحالة عدد كبير من الملفات إلى القضاء، بهدف توحيد الإجراءات وتسريع البت فيها. ورغم هذه الخطوة، لا تزال نسبة القضايا التي تم حسمها فعلياً محدودة مقارنة بعدد الطلبات المقدمة، إذ بقيت قضايا أخرى عالقة بسبب تعقيدات تتعلق بتعدد البيوع أو ضعف الوثائق أو تضاربها. كما أن بعض الملفات قد يمتد لسنوات دون حسم، مما يزيد من معاناة المتضررين، ويعكس الفجوة بين حجم المشكلة والقدرة على معالجتها.
ويرى مختصون أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد القضايا، بل في طبيعتها المركبة، حيث تتداخل فيها عوامل قانونية وأمنية واجتماعية. فهناك حالات تتعلق بالتزوير، وأخرى بوضع اليد، إضافة إلى قضايا مرتبطة ببيع العقار عدة مرات، وهذا الأمر صعب الفصل فيها ضمن المسار القضائي التقليدي.
وفي هذا السياق، تبرز دعوات لاعتماد آليات أكثر فاعلية، مثل إنشاء محاكم متخصصة في النزاعات العقارية، أو تبسيط الإجراءات وجعلها أكثر مرونة، إلى جانب التوسع في استخدام الأنظمة الإلكترونية لتوثيق الملكيات ومتابعة القضايا.
في النهاية، تكشف قضية العقارات في حلب عن تحدي يتجاوز الإطار القانوني البحت، ليصل إلى عمق البنية الاجتماعية والاقتصادية. فاستمرار هذه النزاعات لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يهدد الاستقرار المجتمعي، خاصة مع تزايد شعور بعض المتضررين بعدم الإنصاف، ولجوء آخرين إلى وسائل غير قانونية لاستعادة حقوقهم. وهنا تظهر الحاجة السريعة إلى حلول شاملة توازن بين العدالة وسرعة الإنجاز، بما يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها، ويعيد الثقة بمؤسسات الدولة، ويمهد لمرحلة أكثر استقراراً في حياة المدينة.
اقرأ أيضاً: حمص.. مدينة أنهكتها الحرب ونهشها تشبيح العقارات