بقلم هلا يوسف
تشكل إعادة الإعمار مشكلة معقدة بالنسبة للحكومة السورية والمواطنين على حد سواء. فلا العروض المقدمة لبعض المناطق مرضية للأهالي، ولا لدى المواطنين قدرة على تحمل تكاليف البناء، وفي أفضل الحالات التي يستطيع فيها البناء، تكون الكلفة خيالية. بالإضافة إلى أن الأسعار قبل الحرب الأمريكية الإيرانية تختلف عنا بعدها. لذلك في هذا المقال سنستعرض أسعار البناء.
تشهد أسواق مواد البناء في الآونة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، انعكس مباشرة على كلفة المشاريع السكنية، وسط حالة من الترقب والقلق لدى المواطنين والمستثمرين في قطاع البناء. ويعود هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، في مقدمتها التوترات السياسية والحرب بين أمريكا وإيران التي أثرت على سلاسل التوريد وأسعار النقل، إلى جانب تغيّرات في آليات الاستيراد والتوزيع داخل السوق المحلية.
يوضح عدد من التجار أن الأسعار لم ترتفع بشكل عشوائي، بل جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل. فحسب تاجر الحديد أيمن الزاكي، فإن الحديد الإيراني الذي كان يُباع قبل شهرين تقريباً بين 610 و625 دولاراً للطن، ارتفع اليوم ليصل إلى نحو 680 دولاراً، بالتوازي مع زيادة واضحة في أجور النقل والشحن. ويُشار إلى أن الحديد الإيراني كان يُعد من الخيارات الأقل كلفة مقارنة بغيره، مثل الحديد الأوكراني الذي كان أعلى سعراً بفارق واضح.
أما في قطاع الرخام، فيبين تاجر الرخام وسام أبو عبدو أن الأسعار ارتفعت بنحو 5 دولارات للمتر الواحد، مرجعاً ذلك إلى اعتماد معظم المواد على الاستيراد البحري من الهند، ما يجعلها أكثر تأثراً بتقلبات النقل البحري والتكاليف العالمية. في المقابل، بقي الرخام المصري أكثر استقراراً نسبياً لاعتماده على النقل البري، ما خفف من تأثير ارتفاع كلفة الشحن.
يشير أحد المواطنين إلى أن كلفة بناء غرفة مع ملحقاتها (المنافع) قد تصل إلى نحو 6000 دولار، وهو رقم يعكس ارتفاع أسعار مواد البناء والأجور في الوقت الحالي. وفي المقابل، فإن أجور اليد العاملة اللازمة لتنفيذ هذه المساحة لا تتجاوز حوالي 700 دولار، ما يوضح أن الجزء الأكبر من الكلفة يعود إلى المواد والتجهيزات أكثر من كونه مرتبطاً بأجور البناء نفسها.
تغيرات في السوق الداخلية وأثرها على الكلفة
لم تقتصر الارتفاعات على المواد المستوردة فقط، بل امتدت إلى مواد أساسية مثل الإسمنت والبلوك. فقد أوضح صاحب معمل البلوك خالد البيوش أن طن الإسمنت الذي كان يصل إلى المعمل بنحو 118 دولاراً قبل شهر، ارتفع لاحقاً ليصل إلى 137 دولاراً، بل وصل في فترة سابقة إلى 160 دولاراً. ويعود ذلك، بحسب قوله، إلى تغييرات في إجراءات المعابر الحدودية، حيث كانت المواد تنقل مباشرة من الشاحنات الأردنية إلى المعمل، بينما أصبحت اليوم تُنقل عبر شاحنات وسيطة داخلية، ما زاد من الكلفة. كما ساهمت المضاربة بين التجار في رفع الأسعار، الأمر الذي انعكس بزيادة تقارب 30 سنتاً على سعر كل بلوكة.
ومع استمرار هذا الارتفاع، باتت كلفة البناء تثقل كاهل المواطنين بشكل واضح. إذ يشير أحد المواطنين إلى أن بناء غرفة مع مرافقها قد يصل إلى نحو 6000 دولار، في حين تبلغ أجور العمالة وحدها ما يقارب 700 دولار، وهو رقم يعكس الفجوة المتزايدة بين الدخل وتكاليف السكن.
وعند النظر إلى التفاصيل الفنية لتكاليف البناء، تتضح الصورة بشكل أدق. فبحسب أحد المتعهدين، تتراوح كلفة صبّ المتر المربع بين 32 دولاراً للأسقف فقط، وتصل إلى نحو 75 دولاراً عند إضافة الأساسات والأعمدة، وقد ترتفع إلى 95 دولاراً عند إدخال أعمال إضافية مثل تقسيم الغرف والعتبات. وتعتمد هذه التكاليف بشكل أساسي على الإسمنت والحديد المستوردين، إضافة إلى مواد محلية مثل الرمل، ما يجعلها مرتبطة بشكل مباشر بتقلبات السوق العالمية.
وفي سياق مشابه، يوضح متعهد آخر أن تكلفة المتر المربع في بعض المناطق قد تصل إلى نحو 120–150 دولاراً للهيكل فقط، وترتفع إلى ما بين 250 و300 دولار عند إضافة التشطيبات، مع اختلاف واضح بين منطقة وأخرى تبعاً لسعر الأرض والخدمات والبنية التحتية. ويؤكد أن الموقع الجغرافي يلعب دوراً حاسماً في تحديد السعر النهائي، إذ قد تتضاعف الأسعار بين منطقة وأخرى تبعد بضعة كيلومترات فقط.
كما يشير أصحاب مكاتب عقارية إلى أن أسعار العقارات في حالة ارتفاع مستمر، حتى في ظل ركود نسبي في حركة البيع والشراء. ويُعزى ذلك إلى تعدد حلقات الربح بين المتعهدين والتجار، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأرض التي أصبحت تشكل الجزء الأكبر من الكلفة النهائية في كثير من المشاريع، متقدمة أحياناً على كلفة البناء نفسها.
ومن جانب آخر، يرى بعض الخبراء أن كلفة البناء الفعلية تبقى أقل من سعر البيع النهائي بشكل واضح، إذ إن سعر المتر المربع على الهيكل قد لا يتجاوز في كثير من الحالات 120 دولاراً، بينما يصل في السوق إلى أضعاف ذلك بعد إضافة الأرباح والتشطيبات وتكاليف الأرض. كما تختلف التكاليف بين المناطق الريفية والمدن، نتيجة تفاوت أجور اليد العاملة وأسعار المواد والخدمات.
وفي هذا الخصوص يرى الخبير ومتعهد البناء سامر العسلي أن الكلفة الإجمالية لأي مشروع بناء لا تُحدد فقط من خلال المواد الأساسية، بل إن سعر الأرض يشكل العنصر الأثقل في هذه المعادلة، وغالباً ما يتجاوز في بعض الحالات كلفة الهيكل الإنشائي نفسه، خصوصاً عند احتساب التشطيبات والمصاريف الإضافية.
ويشرح العسلي أن كلفة المتر المربع للهيكل، بما يشمل الخرسانة والمرافق الأساسية من أساسات وأعمدة وسقف، تتراوح عادة بين 120 و125 دولاراً دون احتساب ثمن الأرض. إلا أن إدخال كلفة الأرض على المعادلة يرفع الإجمالي بشكل كبير، نظراً لاختلاف أسعار الأراضي من منطقة إلى أخرى.
ويضرب مثالاً على ذلك بمشروع سكني تبلغ مساحته 500 متر مربع، ويتألف من قبوين وطابق أرضي وأربعة طوابق، حيث تبقى كلفة الهيكل ضمن حدود 120 دولاراً للمتر المربع، وتشمل أعمال البناء الأساسية مثل الحجر، والصرف الصحي، والكهرباء، والدرج المبلط، والباب الخارجي، إضافة إلى المصعد، وذلك وفق معايير هندسية تعتمد على باطون عيار 350 وحديد بكمية 90 كيلوغراماً لكل متر مكعب.
كما يشير إلى أن تفاوت التكاليف بين المحافظات يبقى واضحاً رغم تقارب أسعار الحديد والإسمنت، إذ تنخفض أسعار بعض المواد مثل الحصويات، إضافة إلى تراجع أجور اليد العاملة بنسبة قد تصل إلى 15–17% مقارنة بدمشق. فعلى سبيل المثال، يبلغ سعر البلوك بقياس 15 سم في دمشق وريفها نحو 40 ليرة للقطعة، بينما ينخفض في اللاذقية إلى حوالي 36 ليرة، مع إمكانية قياس فروقات مماثلة على مواد بناء أخرى.
ولا يختلف اثنان على أن ارتفاع أسعار مواد البناء لم يعد مسألة بسيطة مرتبطة بزيادة عرضية في الأسعار، بل أصبح نتيجة منظومة كاملة من العوامل الاقتصادية واللوجستية، تبدأ من الاستيراد والنقل، ولا تنتهي عند آلية التسعير والبيع داخل السوق المحلية. وهو ما جعل كلفة السكن عبئاً متزايداً على المواطنين، في ظل استمرار الفجوة بين الدخل وتكاليف البناء.
في النهاية، يبدو أن سوق البناء يعيش حالة من عدم الاستقرار، حيث تتداخل العوامل الخارجية مع الداخلية لتشكل واقعاً اقتصادياً معقداً. وبين ارتفاع أسعار المواد، وتغيرات النقل، وهوامش الربح المتعددة، تبقى النتيجة واحدة: ارتفاع مستمر في كلفة السكن، وصعوبة متزايدة في الوصول إلى منزل بتكلفة معقولة، ما يفرض تحديات كبيرة أمام الأفراد والمستثمرين على حد سواء.
اقرأ أيضاً: كم سنة تحتاج سوريا لإعادة الإعمار؟ سيناريوهات محتملة لمسار التعافي