بقلم: ديانا الصالح
يفرض الواقع الصحي السوري ضرورة البحث عن حلول إصلاحية تنتشله من حالته المتدهورة، سواء من الناحية الفنية أو المادية، فتردي الخدمات الطبية وضعف وصولها إلى المواطن، مع غلاء المستلزمات وأسعار الأدوية لا سيما المزمنة منها، تستوجب توقفاً طارئاً لاتخاذ قرارات استراتيجية تعيد ثقة الشعب بالمؤسسات المعنية وتضمن له حق العيش الكريم بعدالة صحية.
ففي الوقت الذي يغرق فيه القطاع العام بنقص المستلزمات الطبية وما يرافقه من تراجع في الخدمات التي وصلت إلى حد العجز عن توفير أبسط المواد (كالسرنجات والشاش) في بعض المستشفيات، يجد المريض نفسه وعائلته أمام صراع مزدوج من الألم النفسي والجسدي، لاضطراره إلى شراء الأدوية وإجراء معظم التحاليل المخبرية من خارج المؤسسات الحكومية، ليتوقف عند استنزاف مالي جديد يلتهم ما تبقى من قدرته الشرائية المتهالكة أصلاً.
وفي هذا السياق، يثور تساؤل ملحّ: هل يمكن أن يحل التأمين الصحي الخاص في سوريا مشكلة ضعف الطبابة؟ أم أنه قد يحول الصحة إلى سلعة تجارية لمن استطاع إليها سبيلاً؟ سنتناول في مقالنا مدى جدوى التأمين الصحي الخاص، وفقاً للدروس المستفادة من التجارب الخارجية لتكوين صورة واضحة للخيارات المتاحة أمام صناع القرار.
للمزيد من التفاصيل، تابع معنا..
تحديات التأمين الصحي الخاص في سوريا
للإجابة عن هذه التساؤلات النظرية حول مدى جدوى التأمين الصحي الخاص في سوريا لتحسين الطبابة، لا بدّ من الوقوف عند الأزمة الهيكلية التي تعانيها المنظومة الصحية والتي تتعدى حدود تمويل خدمات الرعاية، لتشمل تدهور البنية التحتية ونقص الكوادر الطبية إلى جانب اختلال الآلية المتبعة في تقديم الخدمات الطبية، لا سيما بعد تراجع الإنفاق الحكومي، الذي أدى إلى إرهاق المواطن بأسعار باتت خارج قدرته على التحمّل.
بالتالي، فإن طرح التأمين الصحي الخاص في سوريا يكون مهزوزاً بعض الشيء ما لم ترافقه خطة وطنية شاملة تستهدف المنظومة الصحية بالكامل، لا سيما وأن المواطن السوري يترنّح بين الغلاء المعيشي والفقر، حيث يقع نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر وفقاً لتقارير أممية، مما يجعل الحديث عن أقساط شهرية جديدة يتحول إلى أزمة حقيقية تُضاف إلى سجل الضائقات الوجودية التي يعانيها الشعب، مما يستدعي ضرورة الاستفادة من عِبَر التجارب الخارجية قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالتأمينات الصحية التي باتت غائبة بشكل ملحوظ عن المشهد الطبي السوري.
كما لا يمكن إغفال ارتفاع معدلات البطالة المرتفعة وتراجع الاستقرار الوظيفي نتيجة للتسريحات المتكررة والخروج المستمر للعمال من سوق العمل، مما يحدّ أكثر من قدرة الأفراد على الالتزام بأي نفقات تأمينية، وفقاً لما يصفه ناشطون محليون.
وإلى ذلك، تبرز أهمية الاستفادة من دروس التجارب الخارجية قبل التوجه نحو تبني أي سياسات تتعلق بالتأمين الصحي الخاص في سوريا، وذلك لضمان موازنة المصالح وتجنب نقل الأعباء المالية من الدولة إلى المواطن دون توفير حلول بديلة منطقية، تحقق العدالة الصحية والاجتماعية.
دراسة حول جدوى التأمين الخاص
على الرغم من الفارق الصارخ بين وضع دول منظمة التعاون الاقتصادي والواقع السوري، إلا أنه يمكن الاستفادة من دراسة تحلل مدى قدرة التأمين الصحي الخاص على رفع جودة الخدمات ودعم الإنفاق العام، حيث يؤكد بحث بعنوان: التأمين الصحي الخاص في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (Private Health Insurance in OECD Countries)، أن الاعتماد على هذا النوع من التأمينات يمكنه أن ينوّع الخيارات أمام المريض إضافة إلى قدرته على سدّ ثغرات التأمين العام، إلا أن كثرة الخيارات قد تفرض سياسة “تجزئة المخاطر” بشكل غير عادل، حيث تختار الفئات الميسورة باقات سخية بتكاليف مرتفعة مما يهدد بانخفاض الخيارات أمام الفئات الأفقر.
علاوة على ذلك، يمكن الاستنباط من جوهر الدراسة أن التأمين الخاص يمكنه أن يسبب تعارضاً في المصالح بين الأغنياء والفقراء، فهي تشير إلى عدم نجاح هذا التأمين في نقل التكاليف المرتفعة من القطاع العام إلى الخاص، بل أفضى في غالبية الأحيان إلى زيادة إجمالي الإنفاق الصحي، مما يعكس أهمية اتباع آليات دقيقة للمراقبة والإشراف في حال قرار الاستفادة منه دون خلخلة العدالة الصحية.
كما تبين الدراسة أنه في معظم الدول لم تتدخل شركات التأمين الخاص بشكل إيجابي ملحوظ في التأثير على جودة الخدمات الصحية التي تمولها، باستثناء التجربة الأمريكية فهي من أكثر الدول التي شهدت انخراطاً لشركات التأمين بمراقبة جودة الرعاية الصحية، على الرغم من تذبذب الأدلة حول فعاليتها الشاملة.
أوغندا والتجربة الكورية
حتى نتمكن من الخروج برؤية واضحة تساعد صنّاع القرار في توجيه بوصلة التأمين، ينبغي الإشارة إلى دول تواجه صعوبات مشابهة للقرار السوري من ناحية معدلات الفقر ونقص الموارد، مثل أوغندا مع مراعاة الفوارق الجوهرية بين الدولتين من حيث البنية التحتية والخدمات الصحية، إلى جانب الاقتصاد، حيث تختلف الأحداث التاريخية والقدرات المؤسساتية تبعاً للظروف الاستثنائية القاسية لكلّ منهما، مما يجعل الاستفادة من التجربة تُترجم بشكل تكييفي بعيداً عن النسخ دون تعديل يحفظ خصوصية الواقع.
أوغندا تتبع نظام تأمين خاص تمنحه الوكالات وأصحاب العمل للموظفين، إلى جانب التأمين المجتمعي للعاملين في القطاع غير الرسمي، فيما يتم العمل على تنفيذ مشروع التأمين الصحي الوطني، لسد الثغرات التي خلّفها كل من النوعين السابقين، نتيجة للافتقار إلى الإطار القانوني وعدم شمولية جميع السكان.
وتأتي فكرة مشروع التأمين الصحي الوطني الشامل التي أقرتها أوغندا خلال 2021، للسعي نحو تحقيق العدالة في التغطية وتخفيف الأعباء المالية للأفراد، ويمكن تحقيق ذلك بالاستفادة من العِبر التي خلّفتها التجربة الكورية التي تُعتبر نموذجاً ناجحاً في تطبيق هذا النوع من التأمينات، خيث تمكنت من تأمين جميع السكان خلال 12 سنة فقط.
فيما يعود نجاح كوريا بتطبيق هذا النظام إلى هيكلها الإداري القوي الذي يقوم على التنظيم الفعال والواضح لكيفية إدارة النظام وتوزيع مهامه، إضافة إلى التدرّج المدروس في تطبيقه مع التركيز على المناطق الأكثر حاجة، فضلاً عن توفير تمويل مستدام من خلال الاشتراكات الإلزامية من قبل العاملين وأصحاب العمل، في ظل إدارة شفافة.
ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن النجاح السريع للتأمين الوطني الكوري كان مدفوعاً بقوة التصنيع والنمو الاقتصادي، مما يعكس تحديات أكبر في تنفيذه سواء في سوريا أو أوغندا، ولكن يمكن البناء عليه من خلال التوجه الفعلي نحو تحسين البنية التحتية وتحديد الأطر القانونية والتشريعية الواضحة، إضافة إلى توفير تمويل مستدام أو دعم خارجي مؤقت
التجربة الكندية مقابل الهندية
تعتمد كندا تأميناً وطنياً شاملاً ولكنها تعطي مساحة محدودة للتأمين الخاص بوصفه داعماً ومكملاً جزئياً، بالتالي تبرز أهمية الإنفاق الحكومي في تغطية السكان بعدالة دون طبقية، فهناك ضرورة كبرى لموازنة نوعي التأمين بشكل فعال (العام والخاص) لتحقيق الجدوى من تطبيقهما.
على النقيض من التجربة الكندية، لجأت الهند إلى نفس النوع من التأمينات وهو المختلط، ولكنها منحت مساحة أكبر للخاص، مما خلق طبقية واضحة في نظام الرعاية الصحية، مع حرمان الفقراء من خدمات واسعة نتيجة لسحبها إلى الطرف الأقوى ضمن هذه المعادلة، وهذا ما يجب على صنّاع القرار تفاديه في أي نقاشات تتعلق بالتأمين الصحي الخاص في سوريا.
توصيات مقترحة
إن التأمين الصحي الخاص لا يمكن اعتباره حلاً شاملاً لضعف الطبابة في سوريا، وإنما هو جزء أو أداة من أدوات تحسين الخدمات الصحية في حال استثماره وتوجيهه بشكل صحيح دون إغفال الطبقة المفقرة التي تمثل اليوم الغالبية الساحقة من الشعب السوري.
وبالعودة للتجارب الدولية السابقة، يمكن القول أن التأمين المختلط أقرب لتحقيق العدالة الصحية في سوريا، مع ضرورة الاستعداد للانتقال إلى التأمين الوطني الشامل، عبر تحسين البنية التحتية وتحقيق التمويل الصحي المستدام.
إضافة إلى ذلك، يشير محللون إلى أهمية أن يكون التأمين الخاص مدفوعاً بتأمين عام قوي، دون تقليص للإنفاق الحكومي، بل على العكس يجب الاستثمار بشكل أكبر في صحة الإنسان دون التوجه نحو الربحية وإثقال كاهل المواطنين بأعباء مالية جديدة.
كما يندرج حلّ آخر ضمن التوصيات المنطقية، وهو دعم التأمين العام إلى جانب استثمار جزء من إيرادات الخاص للصندوق الحكومي، بغية تحسين بعض جوانب المنظومة الصحية، كتوفير أدوات طبية أو أدوية وغيرها، وذلك من خلال تقديم الحوافز والتسهيلات الممكنة لتشجيع مثل هذه المقترحات، مع تعزيز الرقابة والشفافية والأطر القانونية الواضحة.
كما توصي الدراسات بما يلي:
- تحديد الدور الحقيقي للتأمين الخاص، هل هو بديل للعام أم مكمل له أم إضافي، وهنا تجدر الإشارة إلى احتمال إحداث فجوة صحية كبيرة بين الأغنياء والفقراء في حال الاعتماد الكامل على الخاص.
- مراعاة الموازنة بين العام والخاص، لتحقيق التغطية الشاملة، وهذا ما يمكننا وصفه بالنموذج المختلط المتبع في عدة دول أبرزها الصين، وقد أثبت نجاحه الجزئي في عدد من دول أمريكا اللاتينية أيضاً، حيث يقوم التأمين العام بتغطية الأغلبية فيما يلعب الخاص دور المكمل.
- وضع آليات متابعة واضحة لمنع سحب الكوادر الماهرة إلى الخاص مما يضر بالمفقرين، وذلك لتفادي تدهور الواقع الخدمي ضمن المستشفيات العامة.
ختاماً، يبدو أن التأمين الصحي الخاص في سوريا واردٌ كحل جزئي من مجموعة إصلاحات واسعة تستهدف المنظومة الصحية بالكامل، حتى يتمكن من إحداث فرق واضح في خدمات الطبابة السورية، وهذا ما يمكن استنباطه من معظم التجارب الدولية التي اعتمدت على التأمين العام القوي أكثر من الخاص لتحقيق تغطية شاملة وتخفيف منطقي للأعباء المالية التي يتكبدها المواطنون.
اقرأ أيضاً: مليون مستفيد على خط الحياة: ثلاث اتفاقيات في القطاع الصحي مع منظمة الأمين