مال و أعمال

لغز الحياة والموت 

لغز الحياة والموت 

بقلم: خيري عبد الغني محمود 

إن بعض الكائنات الحية البسيطة بإمكانها مراوغة الموت عبر حالة من التحوصل لمواجهة ظروف بيئية غير داعمة لحياتها إلى حين تحسن الأحوال والعودة لممارسة حياتها، فهل سيمكننا يوماً محاكاة هذه الكائنات البسيطة؟ في عام 2006 اكتشف عالم بيولوجيا مغمور يدعى “مارك روث” أن جرعات صغيرة (تحت القاتلة) من غاز كبريتيد الهيدروجين ( المسؤول عن رائحة البيض الفاسد) تضع الثدييات في حالة معلقة بين الحياة و الموت Suspended Animation ، حيث توقفت هذه الحيوانات تماما عن الحركة أو الاستجابة للوسط المحيط، مع تباطؤ معدل تنفسها و انخفاض ضربات قلبها بشدة، ولكنها لم تمت، ولم تكن كذلك على قيد الحياة. وبدت كالبكتريا التي تتحوصل في الظروف غير الملائمة وتتوقف عن كل مظاهر الحياة، حتى إذا وضعت في ظروف مناسبة للحياة، عادت من جديد لممارسة حياتها. وبالفعل فحين توقف تطبيق الغاز، عادت هذه الثدييات لممارسة وظائفها الحيوية كلها. وقد أعاد “روث” تجاربه على الديدان المفلطحة Flatworms بخفض مستوى الأكسجين الذي كانت تتنفسه، ليجد أن الديدان قد أبطأت تدريجيا من حركتها ثم توقفت تماما عن الحركة. ولم تتمكن أي استثارة من إحداث أي نوع من رد الفعل. وعندما أعيد تقطير الأكسجين في الماء الذي وضعت به الديدان بوعاء الاختبار، عادت الديدان للحياة!

وقد منحت مؤسسة ماك آرثر McArthur Foundation منحة العبقرية عام 2010 لماك روث، تقديرا لاكتشافه الثوري هذا.

كانت ظاهرة كمون الكائنات الحية في الظروف غير المواتية للحياة قد وُصِفت لأول مرة بواسطة “فان ليفينهوك” عام 1702، حين لاحظ بميكروسكوبه وجود كائنات دقيقة في حالة كمون داخل الرواسب الجافة لبالوعات صرف المطر الموجودة على أسطح المنازل. وعندما تم وضع تلك الرواسب الجافة في الماء، انبعثت منها كائنات دقيقة شرعت في النشاط والحركة، فيما سُمي بالحياة الكامنة Cryptobiosis. 

وكان من المعروف منذ أزمنة بعيدة قدرة بعض بذور النباتات المجففة لمئات السنين على العودة للإنبات بمجرد تعرضها للبلل بالماء. غير أن اكتشاف نفس الظاهرة بعشرات الكائنات الحية الدقيقة من المملكة الحيوانية، استوجب التوقف لمعرفة سبب قدرتها على إظهار الموت بينما مازالت تمتلك القدرة على الحياة حينما تحين الظروف المناسبة.

وقد تبين لاحقا أن لبعض أنواع السكريات مثل السكروز في النباتات وأحد أشكال الجلوكوز Trehalose (Trehalique glucose) في الكائنات الدقيقة من المملكة الحيوانية، القدرة على تنظيم دخول الماء وخروجه مع غيره من المواد الأخرى من وإلى الخلية الحية، وعندما تبدأ الخلية في الجفاف فإن محلول السكر يتحول إلى شكل لزج ويتجمع حول الأغشية وداخل البروتينات فيمنع بذلك تمزق عضيات الخلية أثناء انكماشها عند الجفاف. وعندما يرتفع تركيز هذا النوع من السكر داخل خلايا هذه الكائنات فإنه يتحول إلى الحالة الزجاجية غير المتبلرة amorphous التي تتميز بانخفاض النشاط الكيميائي والثبات العالي فيحمي الخلية من التهشم بفعل الجفاف ومن المؤثرات الخارجية القاتلة كجرعات الإشعاع أو السموم. ومن أبرز أمثلة هذه الكائنات ذات القدرة على السكون التام كالموتى ثم البعث مجددا: طور اليرقة لحشرة الذبابة الأفريقية النائمة Sleeping chironomid ودببة الماء Tardigrades وديدان النيماتودا الاسطوانية Nematodes وغيرها.

ولكن قصارى جهدنا هو تعطيل عمل هادم اللذات لا منعه عن تفريق الجماعات. ف “لكل أجل كتاب”.

. من كتاب : أسرار_تاريخ_الكون

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.