مال و أعمال

بدل الحملات المجانية.. لماذا لا يعود الأطباء في ألمانيا إلى سوريا؟

بدل الحملات المجانية.. لماذا لا يعود الأطباء في ألمانيا إلى سوريا؟

بقلم هلا يوسف

أصبح الحديث حول القطاع الصحي الشغل الشاغل للمواطنين في الأيام الأخيرة نتيجة جملة من الأحداث والقرارات التي جعلت المواطن في حالة خوف وترقب وسط محاولات إنقاذ عدد من المرضى ضمن حملات مثل حملة شفاء 22، لكن السؤال الذي كان الأكثر طرحاً هو لماذا لا يعود الأطباء السوريون إلى بلدهم طالما هي بحاجتهم؟ في هذا المقال سنحاول الإجابة على السؤال.

تجددت محاولات دعم المنظومة الطبية عبر مبادرات إنسانية يقودها أطباء سوريون مغتربون بالتعاون مع الكوادر المحلية. ومن أبرز هذه المبادرات حملة “شفاء 2026″، التي أطلقها المكتب الطبي للتجمع السوري في ألمانيا داخل مشفى الرازي بمدينة حلب، لتشكل محطة جديدة في سلسلة جهود طبية تهدف إلى تقديم خدمات جراحية تخصصية مجانية للمرضى الأكثر حاجة.

جاءت الحملة ضمن واقع صحي متردي، حيث تعاني المستشفيات من نقص في التجهيزات الطبية والكوادر المتخصصة، مما يجعل الوصول إلى بعض أنواع الجراحات الدقيقة أمراً صعباً على شريحة واسعة من المرضى. ومن هنا جاءت أهمية الحملة التي تركز على الجراحة العصبية وجراحات العمود الفقري، وهي من أكثر التخصصات حساسية وتعقيداً، وتحتاج إلى خبرات عالية وتجهيزات متقدمة لا تتوفر دائماً بشكل كامل داخل المؤسسات الصحية.

وقد بدأت الحملة في الخامس من نيسان، على أن تستمر حتى الرابع والعشرين منه، ضمن خطة عمل تشمل إجراء عمليات متنوعة بشكل مجاني بالكامل، برعاية وزارة الصحة وبالتعاون مع مديرية صحة حلب وإدارة مشفى الرازي. وتشير المعطيات إلى أن الحملة لا تقتصر على مدينة حلب فقط، بل من المتوقع أن تمتد لاحقاً إلى محافظات أخرى بهدف توسيع نطاق الاستفادة.

وتعقيباً على مسار الحملة إلى الآن، يوضح الأطباء المشاركون أن العمل خلال الحملة يشمل طيفاً واسعاً من التدخلات الجراحية، من أبرزها إزالة أورام الدماغ والنخاع الشوكي، وعمليات تثبيت الفقرات، وتصحيح تشوهات العمود الفقري مثل الجنف، بالإضافة إلى الجراحات الرقبية والقطنية. كما تم بالفعل إجراء عدد من العمليات النوعية خلال الأيام الأولى، خصوصاً لدى الأطفال واليافعين، مع التحضير لاستكمال المزيد خلال الفترة القادمة.

ولا تقتصر أهمية هذه الحملة على الجانب العلاجي فقط، بل تمتد لتشمل مرحلة التعاون ونقل الخبرات بين الأطباء المقيمين داخل سوريا والأطباء القادمين من الخارج. فبحسب القائمين عليها، تمثل هذه التجربة نموذجاً للتكامل الطبي الذي يجمع الخبرات المختلفة في إطار واحد، في محاولة لسد جزء من الفجوة التي يعاني منها القطاع الصحي نتيجة نقص الاختصاصات الدقيقة.

واقع الجراحة العصبية في ظل التحديات الصحية

تشير مديرية الصحة في حلب إلى أن مثل هذه الحملات أصبحت ضرورة ملحة في ظل محدودية الإمكانات، خاصة في مجالات مثل جراحة الأعصاب والعمود الفقري، حيث يتطلب هذا النوع من العمليات تجهيزات دقيقة وفرقاً طبية ذات خبرة عالية. ومع تراجع عدد الاختصاصيين وازدياد الضغط على المستشفيات، أصبحت المبادرات الخارجية عاملاً مساعداً في استمرار تقديم الخدمات الأساسية للمرضى.

وقال الدكتور المغترب واختصاصي الجراحة العصبية محمد جميل مكي بأن الفريق الطبي تمكن خلال أسبوع واحد فقط من تنفيذ أكثر من ست عمليات جراحية نوعية، تنوعت بين استئصال أورام دماغية، وتثبيت فقرات العمود الفقري، ومعالجة حالات معقدة في النخاع الشوكي. كما أكد استمرار استقبال حالات جديدة بشكل يومي، مع خطة لتنفيذ عمليات إضافية حتى نهاية فترة الحملة.

تؤكد وزارة الصحة أن عام 2025 شهد تنفيذ عدد كبير من الحملات الطبية المجانية في مختلف المحافظات، بالتعاون مع جهات محلية ودولية، مما ساهم في تقديم آلاف الاستشارات الطبية وعشرات آلاف الإجراءات الجراحية. وشملت هذه الحملات تخصصات دقيقة مثل زراعة القوقعة والقرنية، وجراحات القلب، إضافة إلى عمليات معقدة في مجالات الأعصاب والعمود الفقري.

ورغم أهمية هذه الإنجازات، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بنقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع عدد الكوادر المتخصصة، وهو ما يحد من القدرة على الاستمرار بنفس الوتيرة دون دعم خارجي.

هجرة الأطباء… الواقع السوري والفرص الخارجية

في ظل الحملات الطبية التي يبادر بها أطباء سوريون في المغترب، برز سؤال تناوله الكثير من المواطنين حول أسباب عدم عودة هؤلاء الأطباء لخدمة بلدهم. لكن الحقيقة تكمن في مسار رحلة اللجوء التي دفعوا ثمنها عمراً وجهداً بحثاً عن حياة أفضل ومسار مهني مميز. فالكثير من الأطباء الذين غادروا البلاد خلال السنوات الماضية استقروا في دول أوروبية مثل ألمانيا، حيث تتوفر بيئة مهنية أكثر استقراراً وإمكانات تدريبية أفضل وفرص عمل واسعة.

ويشير أطباء مغتربون إلى أن الطريق المهني في دول مثل ألمانيا طويل ومعقد، إذ يتطلب سنوات من الدراسة والتدريب ومعادلة الشهادات، إلا أن النتيجة في النهاية توفر استقراراً وظيفياً ومهنياً يصعب التخلي عنه. وهذا ما يجعل فكرة العودة إلى سوريا قراراً صعباً بالنسبة لكثيرين، رغم ارتباطهم العاطفي ببلدهم.

كما أن بعض التقارير الدولية تشير إلى أن النظام الصحي الألماني نفسه يعتمد بشكل متزايد على الأطباء الأجانب، ومن بينهم السوريون، لسد النقص في الكوادر، خاصة في المناطق الريفية. ووفق بيانات حديثة، ارتفعت نسبة الأطباء الأجانب في ألمانيا خلال العقد الأخير بشكل ملحوظ، ليشكل السوريون واحدة من أكبر المجموعات الطبية العاملة هناك.

وفي المقابل، لا يقتصر خيار الأطباء على البقاء أو العودة فقط، بل تمتد الخيارات إلى دول أخرى مثل كندا ودول الخليج، التي تقدم بدورها فرصاً مغرية من حيث الرواتب وسرعة الإجراءات المهنية، مما يزيد من حدة المنافسة العالمية على الكفاءات الطبية.

الواقع الصحي داخل سوريا وأسباب التحديات

على الأرض يعاني القطاع الصحي السوري من سلسلة تحديات متراكمة تؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات، ولا تشجع الأطباء في المغترب للعودة. فبحسب تقارير دولية، تعمل نسبة من المستشفيات والمراكز الصحية بطاقتها الكاملة، بينما يعمل جزء كبير منها بشكل جزئي أو متوقف بسبب نقص التمويل أو المعدات أو الكوادر.

كما يعاني القطاع من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، مما يجبر المرضى في كثير من الحالات على تأمين احتياجاتهم العلاجية بشكل شخصي من خارج المستشفيات. ويضاف إلى ذلك الضغط الكبير على الكوادر الطبية العاملة، والتي تواجه ظروف عمل صعبة مقارنة بحجم الاحتياج المتزايد.

ومن أبرز المشكلات أيضاً سوء توزيع الكوادر بين المدن والأرياف، حيث تتركز الخدمات الطبية في المراكز الحضرية، بينما تعاني المناطق الريفية من نقص واضح في الأطباء والممرضين. هذا الاختلال يؤدي إلى فجوة في الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة في الحالات الطارئة.

كما تشير تقارير بحثية إلى وجود تحديات إدارية وتنظيمية، مثل ضعف التنسيق بين الجهات الصحية المختلفة، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات خصوصاً بين وزارتي الصحة والتعليم العالي، بالإضافة إلى ضعف برامج التدريب الطبي المستمر، ما ينعكس على مستوى الكفاءات الجديدة وقدرتها على التعامل مع الحالات المعقدة.

ويضاف إلى ذلك عامل مهم يتمثل في شيخوخة الكوادر الطبية في بعض التخصصات، مقابل ضعف الإقبال من الأطباء الشباب على التخصصات الدقيقة مثل التخدير وجراحة الأعصاب، مما يفاقم النقص في هذه المجالات الحيوية.

وبالنسبة للأرقام والإحصائيات، فتشير أرقام وزارة الصحة السورية الصادرة عام 2020 إلى حجم واضح من تراجع الكوادر الطبية داخل المشافي التعليمية والحكومية، حيث سجل مشفى الأطفال أعلى نسبة تسرب للأطباء بلغت نحو 18%، يليه مشفى القلب الجامعي في حلب بنسبة 11%، ثم كل من مشفى حلب الجامعي والبيروني الجامعي بنسبة متساوية وصلت إلى 10%.

كما جاءت في المرتبة الرابعة مستشفيات كبرى مثل مشفى الأسد الجامعي ومشفى جراحة القلب في دمشق بنسبة 7% لكل منهما، في حين سجل مشفى المواساة نسبة تسرب بلغت 4%، تلاه مشفى التوليد بدمشق بنسبة 3.5%. ويعكس هذا التوزيع حجم الضغط الذي تعرضت له الكوادر الطبية خلال السنوات الماضية، خصوصاً في التخصصات الدقيقة والمشافي المرجعية.

وبالعودة إلى الصورة الشاملة، تظهر بيانات “مؤشرات التنمية” التابعة للبنك الدولي تحولاً أعمق في بنية القطاع الصحي خلال عقد واحد فقط، إذ كان عدد الأطباء في سوريا يقارب 30 ألف طبيب عام 2010، قبل أن يتراجع بشكل حاد ليصل إلى نحو 15,868 طبيباً بحلول عام 2020، نتيجة الهجرة الواسعة المرتبطة بتداعيات الحرب وتدهور الظروف المهنية والمعيشية داخل البلاد، ما يعكس فجوة متزايدة في الموارد البشرية الطبية وانعكاساتها المباشرة على النظام الصحي.

في ظل هذا الواقع، تبدو المبادرات الطبية التي ينفذها الأطباء المغتربون محاولة مهمة لسد فجوة مؤقتة، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة المشكلة من جذورها، نظراً لطبيعتها المحدودة زمنياً وإمكاناتياً.

ختاماً، تعكس حملة “شفاء 2026” صورة واضحة عن تعاون كبير من قبل الأطباء السوريين في المغترب في بلدهم، لكن ضمن ظروفهم التي لا تفقدهم حياتهم في تلك البلدان. وعلى الرغم من التدهور الصحي، إلا أن خدمة واحدة من الخدمات التي يتم تقديمها في المبادرات قد تنقذ حياة مريض، وتخفف معاناته. لتبقى التحديات قائمة أمام وزارة الصحة في استقطاب كوادرها ضمن عروض مغرية قد تساهم في عودة الأطباء للبلد.

اقرأ أيضاً: الأطباء السوريون بين البقاء والرحيل: هل ما زالت ألمانيا الوجهة الأولى؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.