مال و أعمال

ماذا تعني العودة الميدانية لمحطة زيزون في خريطة استعادة الخدمات والطاقة؟

ماذا تعني العودة الميدانية لمحطة زيزون في خريطة استعادة الخدمات والطاقة؟

الكاتب: أحمد علي

ليس من السهل التعامل مع خبر عودة الأعمال الميدانية إلى محطة زيزون بوصفه خبراً فنياً عادياً. فالمحطة، بما تمثله من قدرة توليدية كبيرة مؤجلة منذ سنوات، تقع عند تقاطع أكثر من ملف في وقت واحد، الكهرباء والخدمات، وإعادة الإعمار، وثقة الناس بقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية. لهذا لا تبدو زيزون مجرد ورشة تُفتح، بل نقطة اختبار مبكرة لمدى جدية الانتقال من إدارة النقص إلى محاولة بناء قدرة جديدة على الأرض.

ما أعلنته الجهات الرسمية في التاسع من نيسان كان واضحاً من حيث الشكل الأولي للمشروع، بدء الأعمال الميدانية لإعادة إنشاء محطة زيزون الحرارية في ريف حماة كأول المشاريع الموقعة مع شركة UCC، مع انطلاق أعمال ترحيل الأنقاض وإزالة مخلفات الحرب والكشف الهندسي وسبر التربة والدراسات الجيوتقنية والمسح الطبوغرافي. وهذه المرحلة، على تواضعها الظاهري، هي التي تفصل بين مشروع بقي على الورق، ومشروع دخل فعلاً إلى أول تماس مع الواقع.

محطة زيزون الحرارية في سياق الأزمة

المعنى الفعلي لزيزون لا يظهر من داخل الموقع وحده، بل من داخل صورة الكهرباء السورية كلها. قطاع الكهرباء لا يواجه نقصاً في التوليد فقط، بل يواجه تراكماً من الأزمات في الوقود، والشبكة، والصيانة، والفاقد، والتمويل. البنك الدولي قال في حزيران 2025 إن التغذية اليومية باتت غالباً محصورة بين ساعتين وأربع ساعات، بينما نقلت رويترز في أيار 2025 أن الإنتاج الفعلي للبلاد يقارب 1.6 غيغاواط، بعد أن كان يدور قبل 2011 حول 9.5 غيغاواط. الفارق هنا لا يخص الطاقة وحدها، بل يخص شكل الاقتصاد نفسه، من الصناعة الصغيرة إلى الزراعة المروية إلى الخدمات العامة.

من هذه الزاوية، تبدو زيزون جزءاً من سؤال أكبر. المشروع مطروح باستطاعة 1000 ميغاواط، ضمن رزمة تقودها UCC وشركاؤها لبناء أربع محطات غازية ومشاريع شمسية بإجمالي معلن يبلغ 5000 ميغاواط. وهذا يعني أن المحطة ليست مبادرة معزولة، بل مدخلاً ضمن تصور أوسع لإعادة رسم خريطة التوليد. كما أن اختيارها لتكون أول مشروع يدخل الأعمال الميدانية يعطيها وزناً إضافياً، لأن البداية العملية غالباً ما تكشف ما إذا كانت العقود الكبيرة تحمل قابلية تنفيذ حقيقية، أم تظل في حدود الإعلان السياسي والخدمي.

من التوقيع إلى الموقع

في العادة، الفاصل الأهم في مثل هذه المشاريع هو الفاصل بين التوقيع والموقع. خلال 2025 جرى الحديث عن التفاهمات الأولى، ثم وقعت الاتفاقيات النهائية في تشرين الثاني، قبل أن تعود زيزون إلى الواجهة في نيسان 2026 بوصفها أول مشروع يبدأ فعلياً على الأرض. هذا التسلسل مهم، لأنه يدل على أن المشروع تجاوز مرحلة التصور العام إلى مرحلة العمل التحضيري اللازم لأي تنفيذ لاحق.

الأمر لا يتوقف عند الداخل السوري فقط. ففي مطلع نيسان 2026 أعلنت UCC توقيع اتفاقات حجز قدرات تصنيع مع سيمنس إنرجي لتأمين المكونات طويلة الأجل الخاصة بمشروعي زيزون ودير الزور، وكل منهما مخطط له باستطاعة تقارب 1000 ميغاواط. في مشاريع الطاقة الثقيلة، هذه الخطوة ليست تفصيلاً إدارياً، بل جزء من اختبار الجدية نفسه، لأن كثيراً من المشاريع يتعثر عند نقطة التوريد والمكونات الحساسة، لا عند نقطة الإعلان.

مع ذلك، لا يجوز تحميل هذا التطور أكثر مما يحتمل. بدء الأعمال الميدانية يفتح المسار، لكنه لا يعني أن القدرة المعلنة أصبحت جاهزة للدخول إلى الشبكة خلال وقت قصير. بين إزالة الأنقاض، والدراسات، والتصميم، والتوريد، وأعمال الربط، والتشغيل، توجد سلسلة طويلة من الاستحقاقات الفنية والمالية. لهذا فالمعنى الأكثر دقة هو أن زيزون انتقلت من مرحلة الكلام إلى مرحلة أولى من التنفيذ، لا أنها تجاوزت أصعب مراحل المشروع كلها.

قدرة معلنة وشروط صعبة

الرقم المعلن، 1000 ميغاواط، كبير في السياق السوري الراهن. ولو دخلت هذه القدرة إلى الخدمة كما هو مخطط، فإن أثرها النظري سيكون واضحاً مقارنة بحجم الإنتاج الحالي. لكن النظرية وحدها لا تكفي هنا، لأن تحويل الاستطاعة المعلنة إلى كهرباء تصل فعلاً إلى الناس يمر عبر ثلاثة شروط صعبة على الأقل.

الشرط الأول هو الوقود. زيزون مطروحة كمحطة غازية عالية الكفاءة، ما يضع ملف الغاز الطبيعي في قلب المعادلة. فإذا لم يتوافر الوقود بشكل مستقر، بقيت أي قدرة جديدة معرضة للاهتزاز. والشرط الثاني هو الشبكة. رويترز نقلت في حزيران 2025 أن نحو ثلثي شبكة الكهرباء السورية تضرر أو دمر خلال الحرب، بينما أشار البنك الدولي إلى أن الخطوط الرئيسية ومحطات التحويل تعاني من خسائر مرتفعة وتهالك عميق. في هذه الحالة، لا يكفي أن تنتج المحطة كهرباء، بل يجب أن تجد هذه الكهرباء طريقاً قابلاً للحمل والتوزيع.

أما الشرط الثالث فهو الإدارة الاقتصادية للقطاع. الكهرباء ليست ملف تجهيزات فقط، بل ملف كلفة وتسعير وجباية وفاقد فني وغير فني. ولهذا فإن أي مشروع كبير من هذا النوع يختبر أيضاً ما إذا كانت الزيادة في التوليد ستُدمج في سياسة كهربائية أكثر تماسكا، أم ستدخل إلى القطاع وهي تحمل معه اختلالاته نفسها. هنا بالتحديد تصبح زيزون اختباراً لبنية الإدارة بقدر ما هي اختبار للبنية التحتية.

داخل خريطة الكهرباء

ميزة زيزون أنها لا تُقرأ بوصفها وعداً منفرداً بحل الأزمة كلها. ما يظهر في الخلفية هو مسار أوسع يجمع بين أكثر من طبقة، بناء توليد جديد، وإصلاح الشبكة، والاستفادة من خطوط الربط الإقليمية حين يكون ذلك ممكناً. البنك الدولي موّل في حزيران 2025 مشروعاً طارئاً بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط نقل عالية التوتر ومحطات تحويل، بهدف استعادة كهرباء أكثر موثوقية ودعم التعافي الاقتصادي. وفي الوقت نفسه تحدثت الحكومة السورية في 2025 عن اتفاق لاستيراد الكهرباء من تركيا عبر خط 400 كيلوفولت، إلى جانب مسارات إسعافية أخرى مرتبطة بالطاقة والغاز.

هذا يعني أن زيزون، في معناها الأوسع، هي عقدة ضمن شبكة حلول، لا بديلاً عن هذه الشبكة. هناك حلول سريعة نسبياً تقوم على إصلاح خطوط واستيراد كهرباء وتخفيف الاختناقات. وهناك حلول أبطأ لكنها أعمق، تقوم على بناء قدرات توليد جديدة. وإذا لم يجر المزج بين المسارين، فإن النتيجة ستكون إما قدرة توليدية تصل متأخرة إلى شبكة ضعيفة، أو شبكة تتحسن جزئياً من دون أن تجد ما يكفيها من التوليد.

ما الذي يمكن أن تغيّره

إذا استمر المشروع وفق ما هو معلن، فإن زيزون قد تفتح ثلاثة تحولات متداخلة. الأول خدمي مباشر، يتعلق بزيادة الطاقة المتاحة وتخفيف الضغط المزمن على ساعات التغذية. الثاني اقتصادي، لأن الكهرباء ليست خدمة نهائية فقط، بل شرط تشغيل لكثير من الأنشطة التي تعطلت أو تقلصت، من الصناعة الصغيرة والمتوسطة إلى سلاسل التبريد والزراعة والخدمات العامة. والثالث سياسي وخدمي في الوقت نفسه، لأن استعادة جزء من الاستقرار في الكهرباء تعني استعادة جزء من الثقة بوظائف الدولة اليومية، لا عبر الوعود، بل عبر ما يراه الناس في تفاصيل حياتهم.

لكن القراءة الأكثر توازناً تبقى ضرورية. لا توجد مؤشرات مهنية كافية بعد لتحويل زيزون إلى وعد شامل أو حسم مبكر بنجاح المسار كله. الزمن التنفيذي ما يزال طويلاً نسبياً، والبيئة التشغيلية السورية ما تزال محكومة بمخاطر التمويل والوقود والشبكة والقدرة المؤسسية. لذلك فإن الأصح هو النظر إلى العودة الميدانية بوصفها بداية اختبار جدي، لا خاتمة أزمة الكهرباء.

في المحصلة، ما تعنيه زيزون هو أن ملف الطاقة عاد، ولو بحذر، إلى مستوى المشاريع الكبرى، لا إلى مستوى إدارة النقص فقط. وهذه نقطة فارقة بحد ذاتها. فإذا نجحت المحطة في عبور المسافة بين الورشة والقدرة العاملة، فإن أثرها سيتجاوز موقعها الجغرافي إلى خريطة أوسع لاستعادة الخدمات. أما إذا تعثر المسار، فسيكون ذلك تذكيراً جديداً بأن أزمة الكهرباء في سوريا لا تُحل بعقد واحد، بل بتكامل التوليد والشبكة والوقود والإدارة ضمن رؤية واحدة قابلة للتنفيذ.

اقرأ أيضاً: كيف يعمّق بند “القوة القاهرة” أزمة الكهرباء في سوريا؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.