بقلم: ريم ريّا
القطن في محافظة الرقة محصول أكثر من عادي، بل هو أحد أعمدة الاقتصاد المحلي في المحافظة، ويشكل مصدر رئيسي للدخل لمئات آلاف السكان، ضمن دورة إنتاج كاملة بدايةً من الحقل وحتى الوصول إلى الصناعة النسيجية. لكن اليوم، يمر هذا الذهب الأبيض بمرحلة تراجع حاد، لم يسبقها في تاريخه، ولا يمكن وصفها بأزمة موسمية. كل ما يحل على محصول القطن ناتج عن تحول اقتصادي عميق يعكس اختلالاً في بنية الإنتاج الزراعي، وانهيار تدريجي في جدوى هذا المحصول الاستراتيجي بالنسبة للفلاحين.
وضع القطن الحالي في محافظة الرقة
شهد إنتاج القطن في سوريا لموسم 2025 توقعات متباينة، حيث أعلنت المؤسسة العامة للأقطان في شمال وشرق سوريا عن إنتاج متوقع بنحو 75 ألف طن من مساحة 250 ألف دونم، في حين أفادت تقارير محلية في دير الزور أن الإنتاج قارب 4500 طن، مع توجهات حكومية لزراعة 25 ألف هكتار على مستوى سوريا في العام الحالي 2026 قبل التوسع مستقبلاً في سنوات قادمة.
أما وعلى مدار عقد وأكثر، تشير المعطيات إلى تراجع كبير في زراعة القطن على المستويين المحلي والوطني، إذ انخفضت المساحات المزروعة في سوريا من نحو 237 ألف هكتار عام 2005 إلى 32 ألف هكتار عام 2020، مع استمرار الانخفاض في السنوات التي تلت العام 2020.
في الرقة، وصلت نسبة التراجع إلى نحو 80% بحسب تقديرات مزارعين، ما يعكس شبه انسحاب جماعي من زراعة هذا المحصول. وتراجع الإنتاج بهذا الشكل ينذر بعواقب كبيرة. سُجل انخفاض المحصول من نحو مليون طن في منتصف العقد الأول من الألفية إلى أقل من 100 ألف طن، في حين أن الإنتاج حالياً يتراوح بين 250 – 400 كيلوغرام فقط، وهو مستوى يدل على عدم تطور الإنتاجية إذا ما أردنا مقارنة الحاضر بالماضي.
هذا التراجع خطير، فهو يعكس قبل كل شيء تغير جذري في سلوك المزارعين الذين باتوا يعيدون ترتيب أولوياتهم الزراعية وفق ميزان الربح والخسارة، ما يخسر سوريا ذهبها الأبيض وأهم محاصيلها الإنتاجية والتصديرية.
اقرأ أيضاً: انهيار “الذهب الأبيض”.. كيف تحولت سوريا من أكبر مُصدّري القطن إلى مستورد له؟
تحليل أسباب العزوف عن القطن في الرقة
عند النظر إلى الكلفة والعائد، يتضح لنا أن زراعة القطن لم تعد نشاطاً مربحاً بالمعنى الاقتصادي. فتكلفة زراعة الدونم الواحد تبلغ نحو 150 دولاراً، بينما يتراوح الإنتاج للدونم الواحد بين 250 و400 كيلوغرام، ويباع الطن بسعر يقارب 600 دولار، وقد ينخفض فعلياً إلى 530 دولاراً بعد اقتطاعات تتعلق بالجودة.
بناءً على ذلك، الإيراد المحتمل للدونم يتراوح تقريباً بين 132 و240 دولاراً، وهو هامش ضيق لا يغطي المخاطر المرتبطة بالإنتاج، خاصةً في ظل ارتفاع تكاليف عملية الجني فهي تمثل نحو 20% من مجمل التكاليف، إلى جانب تقلبات الإنتاج بسبب نقص المياه وانتشار الآفات وتحديات زراعة هذا المحصول بشكل عام.
كل تلك العوامل، تجعل من القطن محصولاً عالي المخاطر وغير مضمون، بعد أن كان محصولاً موسمياً استراتيجياً. ونفس العوامل تدفع المزارعين إلى التحول إلى محاصيل بديلة أقل تكلفة وأكثر استدامة واستقراراً، مثل الذرة الصفراء وفول الصويا. على الصعيد الاقتصادي هذا التحول ما هو إلا نتيجة طبيعية لارتفاع “تكلفة المخاطرة”، وانخفاض العائد المتوقع، ما يؤدي إلى خروج المنتجين من قطاع القطن بشكل تدريجي.
شكاوي المزارعين المرصودة وأبرز تعليقاتهم
علق العديد من المزارعين والأهالي العاملين بمجال القطن على تراجع المحصول، منهم بتصريحات إعلامية ومنهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد رصدنا بعضاً منها. شكوى أحد المزارعين انصبت على اختلالات السوق الزراعية، واشتكى من غياب الدعم الحقيقي، سواء من خلال توفير المستلزمات الإنتاج أو عبر تسويق المحصول.
ليشير آخر إلى أسعار الشراء التي لا تغطي التكاليف، بل تنخفض بسبب اقتطاعات تتعلق بنسبة الرطوبة أو جودة القطن، ما يضاعف الخسائر. كما شكى آخر، من غياب التخطيط الزراعي الواضح، وتذمر من إصدار التراخيص، وعدم توفر البذار لا سيما المحسنة منها والمقاومة للآفات.
وبعضهم اشتكى من المياه وتضرر شبكات الري. في الحقيقة تعليقات المواطنين تبرر حالة عدم اليقين التي تضرب المزارعين إزاء محصول القطن، فضلاً عن أنها تفقد المزارع الثقة بالقطاع، ليصبح القرار بالابتعاد عن زراعة القطن خياراً منطقياً وليس استثنائياً.
هل هناك حلول أم فات الأوان؟
على الرغم من الأزمة الحالية ومدى خطورتها وعمقها، لكن ما زال هناك فرصة لإعادة إحياء زراعة القطن في الرقة، لكن بشرط أن يتم إعادة بناء جدوى اقتصادية إسعافية تنموية بأقصى سرعة. وهذا يتطلب ضمان تسعير عادل يغطي تكاليف الإنتاج ويوفر هامش ربح محفز، مع تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة، تحديداً فيما يتعلق بالبذار والأسمدة والمحروقات.
والخطوة الثانية، تتمثل في تقليل المخاطر المرتبطة بالإنتاج، من خلال توفير أصناف تقاوم الآفات إلى جانب الاعتناء بقطاع الري وتحسين إدارة الموارد المائية. ما يمثل دفعة لاستقرار هذا القطاع. فضلاً عن وجود واعتماد جهة واضحة تضمن شراء المحصول من دون اقتطاعات غير مبررة، ما يمكن له أن يعيد للمزارعين جزءاً من الثقة ويشجعهم على العودة إلى زراعة القطن. يجب المسارعة في الحلول لأن قيمة المحصول ليست بتاريخه، بل بجدواه الاقتصادية وقيمته، وإلا تحول لعبء لا يمكن الاستمرار فيه.