التسوّل في مدينة حلب أبرز الظواهر الاجتماعية التي تجتاح الشارع الحلبي، أخذت بالاتساع في السنوات الأخيرة حتى بات المشهد شبه مألوف أمام الجوامع وفي الحدائق والشوارع. لم يعد الأمر يقتصر على أفراد محدودين تَألف وجوههم وتلمس العوز أو الاحتيال من ملامحهم، بل أصبح يفرض سؤالاً جدياً حول وجود جهات وشبكات تدير هذا الزحف التسوّلي الذي اجتاح المدينة من مشرقها لمغربها.
هذه الظاهرة لا تهدد الوجه الحضاري للمدينة فحسب، بل تهدد المجتمع الحلبي في حال ثبت وجود شبكات تستغل الفقراء والأطفال وذوو العوز والحاجة وذوي الاحتياجات الخاصة وتزج بهم في دوامة التسوّل. إن ظاهرة التسوّل آفة اجتماعية لها آثار سلبية على المجتمع والقيم وترمي يثقلها على العلاقات الاجتماعية.
بناءً على ما سبق سنطرح بمقالنا الجوانب التالية لتناول هذه الظاهرة، سنعرض حجمها في حلب ونبحث عن أسبابها، ونَكشف ما إذا كانت ظاهرة فردية نابعة من عوز أو احتيال أو ظاهرة دخيلة على المجتمع تديرها شبكات مشغلّة، كما سنعرض طرق الحد منها والخطة التي وضعتها الجهات المعنية لمكافحتها.
حجم ظاهرة التسوّل في حلب بالأرقام وأماكن الانتشار
وفق إحصائية غير نهائية تسعى لتقدير عدد المتسولين بحلب، قدّر فريق عمل مديرية الشؤون الاجتماعية في المدينة بعد التحرير، عدد المتسولين بنحو 375 طفلاً دون العشر سنوات، ونحو 60 امرأة، و50 رجلاً من كبار السن. ولا يزال يعمل الفريق لمعرفة الأسباب والدوافع، التي جعلت هؤلاء يمتهنون هذه الظاهرة، وكذلك معرفة أماكن سكنهم.
حسب صحيفة “الحرية” السورية الرسمية، التي قامت بنشر إحصائية منقولة من الدراسات الاجتماعية، أفادت بأنّ عدد المتسولين في سوريا قُدّر بشكل تقريبي بحوالي 250 ألف متسول في مختلف المحافظات، 51.1 في المائة منهم إناث، و49.9 في المائة ذكور.
كما أن 4.64 في المائة منهم يمارسون التسول بشكل احترافي، ويشكل الأطفال 10 في المائة من العدد الإجمالي، أي حوالي 25 ألف طفل، من دون وجود أي إحصائية دقيقة لأعداد المتسولين في محافظة حلب. وهذا يتقاطع مع إحصائية التقرير الصادر عن مديرية الشؤون الاجتماعية بأن عدد المتسولين في حلب غير نهائي وما زالت الأرقام قابلة للتزايد.
التسوّل منتشر بمختلف أحياء وأزقة حلب، لكن تمّ رصد انتشاره بشكل كثيف في الأحياء التالية: القصر البلدي، الحديقة العامة بمحطة بغداد، جامع الرحمن في منطقة السريان، أحياء الخالدية، محيط جامعة حلب، والمناطق الغربية.
كما تتركز هذه الظاهرة قرب إشارات المرور وأمام المحال التجارية، وتغزو الأحياء الراقية في المدينة، ومن المرّجح في ظل غزو المتسولين أحياء المدينة وشوارعها وحواريها أن هناك شبكات متخصصة باستغلال الأطفال وزجهم إلى التسوّل وتعليمهم إياه كمصدر دخل منظم، إذ أن هناك تقارير تفيد بأنّ ما يجنيه الطفل المتسول الواحد يصل إلى ما يقارب 100 ألف ليرة سورية يومياً.
اقرأ أيضاً: التسوّل في حمص: بين الحاجة والاحتيال.. هل من أمل في التغيير؟
دوافع انتشار هذه الظاهرة وأبعادها…. هل هي حالات فردية أم هناك شبكات داعمة لها
دوافع التسول في حلب متعددة ومتشابكة بعض الشيء، فالفقر المدقع هو المحرك الأبرز للعوز وطلب الحاجة، تليه البطالة وارتفاع الأسعار وانعدام الدخل الكافي الذي يدخل المرء بدوامه صراع بين تأمين لقمة العيش كحاجة إنسانية أولية أو تقديم التنازلات المعنوية ومدّ يد الحاجة إلى الناس.
نسبة كبيرة من سكان حلب تحت خط الفقر، إذ تضطر عائلات كاملة إلى الاعتماد على أطفالها في طلب المال بالشوارع. ليطل النزوح وفقدان السكن أو المعيل وينضمان لباقي الأسباب الدافعة للتسوّل، إلى جانب العجز الجسدي أو المرض أو الإعاقة، مما يدفع بعض الأفراد إلى الاعتماد على المارة كمصدر وحيد للبقاء.
تعدى التسوّل مجرّد كونه ظاهرة فردية منبعها الحاجة أو الاحتيال في بعض الحالات، ليشير إلى وجود شبكات منظمة قائمة على تحويل التسول إلى “مهنة” مربحة، حيث يتم استغلال الأطفال والنساء بشكل خاص، وهو ما جعل الظاهرة تتوسع وتستعصي على الحلول السريعة، فالشريحة الكبرى التي تقوم بالتسوّل مكونة من النساء والأطفال بكثرة، ليليها الكبار وذوي الإعاقة.
هناك أبعاد لهذه الظاهرة متنوعة، أولها البعد الاقتصادي، فتحويل الأطفال والنساء إلى أدوات استغلال مالي يحرمهم من التعليم والعمل المنتج، ويزيد من عبء الفقر على المجتمع، ليصبح الفقر محرّك لهذه الظاهرة ومنتج لها بنفس الوقت.
أيضاً هناك بُعد نفسي وصحي مهدد للمجتمع، فتعرّض المتسولين، تحديداً الأطفال منهم لأمراض ناتجة عن سوء التغذية وقلّة الرعاية الصحية وترافقها مع اضطرابات نفسية نتيجة الإهمال والعيش في الشوارع، ينتج عنه أزمة صحية ونفسية مركبة يمكن لها إنتاج مجتمع غير سوي نفسياً ومنهك صحياً.
في تصريح للاختصاصية النفسية “عفراء العريان” لأحد الصحف المحلية، فندّت “العريان” أنه: “أياً كانت طبيعة الشخص المتسول وعمره، فإن للتسول أثراً نفسياً، وكذلك لممارسة أو امتهان التسول أثر كبير على نفسية الشخص المتسول وتطوره النفسي والاجتماعي، وإن أول ما يتأثر في الشخص المتسول ثقته بنفسه واحترامه لذاته، حتى ولو شعر أنه قادر على خداع الشخص الذي أمامه وإقناعه أنه بحاجة إلى المال، إلاّ أن هذا الشعور لا يعطيه أي نوع من الثقة بالنفس إلاّ ثقة آنية تنتهي بعد دقائق قليلة، لأن الشخص المتسول يفقد احترامه لذاته، حتى وإن كان يعاني من الفقر أم لا، ويسبب له الخجل والعار، ما يؤدي إلى التراجع في التطور النفسي وخاصة عند الأطفال”.
كما أن التسول يؤدي إلى ظهور اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب والضغط النفسي بفعل الظروف والمشكلات التي يقع فيها المتسول، الأمر الذي يؤدي لسهولة استغلال هذه الفئة، وخاصة الفئة السكانية الأكثر ضعفاً، مثل النساء والأطفال، ويكونون أكثر عرضة للتحرش أو للاستغلال الجنسي والإدمان.
يتلاقى البعد النفسي مع البعد الاجتماعي، إذ يؤدي التسول إلى تهميش فئات واسعة ووصمهم اجتماعياً، ويفكك الروابط الأسرية ويضع الأطفال في بيئة غير آمنة، ويزيد من سوء تعامل المجتمع معهم مما يخلق فجوات اجتماعية لها تبعات مستقبلية خطيرة.
أما البعد الذي لا يقل خطورة عن الأبعاد الأخرى يتمثل بالبعد الأمني، في بعض الحالات تُستغل الظاهرة من قبل شبكات منظمة تمارس أنشطة غير قانونية، ما يجعلها تهديداً للنظام العام وأمن المجتمع ككل.
اقرأ أيضاً: غجر سوريا: هوية ضائعة ومستقبل بلا ملامح

إطلاق خطة لمكافحة التسول في المدينة… أبرز ما جاء فيها
في شهر آب الجاري أعلنت محافظة حلب عن إطلاق حملة شاملة لمكافحة هذه الظاهرة يوم 18 آب، وذلك عبر تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن جهات حكومية.
وتركز الحملة، على جمع بيانات دقيقة عن أعداد المتسولين وتوزعهم. وتعمل على إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع. في تصريح لرئيس لجنة مكافحة التسول في حلب “عبد الرحمن ددم”، أوضح آليات التعامل مع المتسولين ذوي الظروف الصعبة، بالأخص الأطفال والأسر الفقيرة، مشيراً إلى أن الحملة تقوم على التمييز بين المتسول والمتشرد، وبين من يتسول لحاجة حقيقية ومن يستغل ذلك بغرض الإثراء غير المشروع.
منوهاً إلى أن التسول يعتبر في القانون السوري جريمة، كما أنه “يتعارض مع قيم المجتمع ومبادئ الثورة”. حسب وصفه.
شرح “ددم” عن آلية عمل اللجنة التي تعتمد على التشاركية بين محافظة حلب ومجلس المستشارين، والمؤسسات الحكومية المعنية، التي تتضمن مديريات الشؤون الاجتماعية والتربية والصحة، وجامعة حلب، والأوقاف، وشرطة المحافظة، إلى جانب الخبرات المتخصصة في الملف.
أوضح البيان أن اللجنة ستعمل على ثلاثة مسارات رئيسة هي: المسار الأول قانوني يعنى بمراجعة التشريعات المرتبطة بالتسول، والثاني أمني عبر رصد أماكن توزع المتسولين واتخاذ إجراءات بحق المستغلين لهم، والأخير فهو إنساني من خلال تجهيز مراكز إيواء وبرامج تعليمية ومهنية لإعادة دمجهم.
انطلقت الحملة من خلال ثلاث حملات فرعية، بدأت بالحملة التوعوية التي امتدت على يومين، عبر خُطب الجمعة في المساجد في 15 و22 من آب، ثم تبعتها حملة إعلامية استمرت ستة أيام، تضمنت مؤتمرات صحفية ورسائل توعوية عبر الإذاعة والتلفزيون والصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، واختتمت الحملة بنشاطات ميدانية استمرت ثلاثة أيام، من 18 حتى 20 من آب، مكنّت الفرق الميدانية من جمع البيانات وضبط المتسولين واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المستغلين لهم.
عطفاً على ما سبق، تناولت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل “هند قبوات” خلال اجتماع مع منظمات المجتمع المدني، في 14 تموز الماضي، بحلب، موضوع التسول في المدينة، مؤكدةً أهمية تشكيل لجنة مشتركة للتحضير لمراكز إيواء مخصصة للأطفال والنساء العاملين في التسول، مع تقديم برامج تأهيلية تساعدهم على العودة إلى الحياة الطبيعية.
أشارت الوزيرة إلى أن معالجة التسول تمثل أولوية بعد فترات الحرب، وأن الهدف النهائي هو الوصول إلى وضع لا يتواجد فيه أي متسول في الشوارع، ودعت منظمات المجتمع المدني للمساهمة الفاعلة وتقديم الدعم المطلوب.
اقرأ أيضاً: من هي هند قبوات عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني؟

ختاماً، ظاهرة التسوّل في حلب لم تعد مجرد سلوك فردي ينعكس على الشخص نفسه، بل تعدت ذلك لتمسي قضية اجتماعية تحمل في طياتها تحديد اجتماعي وأخلاقي وأمني للمجتمع. فبين من يمد يده حاجةً ومن يتم استغلاله من قبل شبكات مُشغلّة بات التسوّل تجارة رابحة وظاهرة مهددة لمجتمع برمتّه، فالمجتمع الخاسر الأكبر من انتشارها.
مكافحة الظاهرة واجب اجتماعي على كل أفراد المجتمع إلى جانب وزارة الشؤون الاجتماعية والسلطات المعنية، لحفظ كرامة الإنسان لاسيما النساء والأطفال وإعادتهم لدورهم الطبيعي البعيد كلّ البعد عن التسكع بالشارع ومدّ يد الحاجة للناس.