مال و أعمال

العقوبات الأمريكية على سوريا: تاريخ طويل من التحديات الاقتصادية

العقوبات الأمريكية على سوريا: تاريخ طويل من التحديات الاقتصادية

بقلم هلا يوسف

يتفاجأ السوريون بين الحين والآخر بوجود مجموعة من العقوبات الأمريكية التي كانت مفروضة على سوريا منذ سنوات طويلة. هذه العقوبات لا تشمل ما نعرفه اليوم مثل قانون قيصر وغيرها. بل بدأت منذ السبعينات لأسباب متعددة، وسنستعرضها لكم في هذا المقال. أما الجديد اليوم فهو مشروع أمريكي مقدم لإلغاء العقوبات المفروضة في عامي 2003 و2012.

قدم ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بقيادة جين شاهين، مارك مولين، وجوني إرنست، مشروع قانون أمام الكونغرس يهدف إلى إلغاء قانونين رئيسيين شكلا الأساس التشريعي للعقوبات المفروضة على سوريا في العقدين الماضيين.

المشروع الذي تمت قراءته مرتين في مجلس الشيوخ وأحيل إلى لجنة العلاقات الخارجية لمراجعته، حمل عنوان “قانون لإلغاء بعض التشريعات التي تفرض عقوبات على سوريا”. وتركز المضمون على إلغاء قانونين محددين، حيث يقترح أولاً إلغاء “قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان” لعام 2003، والذي كان مرتبطاً بسياسات نظام بشار الأسد في لبنان، بما في ذلك اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

أما الإلغاء الثاني فيشمل “قانون محاسبة حقوق الإنسان في سوريا” لعام 2012، الذي فرض عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بنظام الأسد بسبب ارتكابهم انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم حرب منذ بداية الثورة السورية. ومن هنا، يطرح السؤال: كم عدد العقوبات المفروضة على سوريا؟

تاريخ العقوبات الأمريكية على سوريا

العقوبات الأولى 1979_2003

بدأت العقوبات الأمريكية على سوريا في كانون الأول 1979 بعد تصنيف الولايات المتحدة لها كدولة راعية للإرهاب، وهو تصنيف استمر لأكثر من أربعة عقود دون انقطاع. جاء هذا التصنيف في وقت حساس، حيث كان حافظ الأسد قد رسخ سلطته في سوريا عبر انقلاب داخلي عام 1970، وكان الدعم السوري للفصائل الفلسطينية وتوجهاتها المعادية للمصالح الغربية، إضافة إلى تحالفها مع الاتحاد السوفياتي، من أبرز العوامل التي ساهمت في اتخاذ هذا القرار.

كانت العقوبات الأمريكية محدودة نسبياً في تلك المرحلة، وشملت تقييد المساعدات الأمريكية، وحظر الصادرات الدفاعية والعسكرية إلى سوريا، بالإضافة إلى فرض ضوابط على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج. ورغم أنها كانت في البداية محدودة إلا أنها شكلت الأساس الذي سمح بتوسيع العقوبات لاحقاً. والجدير بالذكر أن سوريا بقيت الدولة الوحيدة التي تم تصنيفها بهذا الشكل منذ عام 1979 وحتى رفع العقوبات عنها في عام 2025.

توسع العقوبات 2003_2011

بعد هجمات 11 أيلول 2001 وتحت تأثير السياسات التوسعية لإدارة الرئيس جورج بوش الابن في الشرق الأوسط، شهدت العقوبات الأمريكية على سوريا مرحلة جديدة من التشديد والتوسع. في أيار 2004، وقع بوش الأمر التنفيذي رقم 13338، الذي جاء تنفيذاً “لقانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية” الذي صدر في 2003. مثل هذا القرار تحولاً كبيراً في استراتيجية العقوبات الأمريكية، حيث لم تعد تقتصر على إجراءات أمنية محدودة، بل أصبحت أداة ضغط اقتصادي واسع.

وشملت العقوبات التي تم فرضها في تلك الفترة حظر شبه كامل على الصادرات الأمريكية إلى سوريا، باستثناء الغذاء والدواء، إلى جانب فرض قيود صارمة على القطاع المصرفي السوري. حيث تم تصنيف المصرف التجاري السوري كمؤسسة مهددة في مجال مكافحة غسل الأموال، مما أدى إلى قطع علاقاته مع المصارف الأمريكية. هذه العقوبات رسخت العزلة المالية لسوريا وجعلت منها أداة رئيسية في السياسة الأمريكية تجاهها.

كانت هذه العقوبات مدفوعة باتهامات لسوريا بدعم الإرهاب، والتدخل في الشؤون اللبنانية، وتطوير أسلحة غير تقليدية. ورغم أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين كانت محدودة للغاية (لم تتجاوز 300 مليون دولار سنوياً في 2004)، فإن تأثير هذه العقوبات كان أكبر من الجانب الاقتصادي المباشر، حيث تركت أثراً سياسياً ورمزياً مهماً في العلاقات بين البلدين.

العقوبات الشاملة 2011_2020

مع بداية الثورة السورية في آذار 2011، اتبعت إدارة الرئيس باراك أوباما سياسة تصعيد تدريجي ضد نظام بشار الأسد. في نيسان من نفس العام، صدر الأمر التنفيذي رقم 13572، الذي وسع حالة الطوارئ السابقة، مستهدفاً المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.

بعدها صدرت أوامر تنفيذية أخرى، بما في ذلك الأمر التنفيذي رقم 13573، الذي جاء ليعزز من تشديد العقوبات ضد سوريا. وفي آب 2011، جاء الأمر التنفيذي رقم 13582 ليشكل النقلة الكبيرة نحو فرض حظر اقتصادي شامل.

هذا القرار شمل تجميد جميع أصول الحكومة السورية، وحظر التعامل الاقتصادي مع أي من الكيانات التابعة للحكومة السورية. كما تم وقف الاستثمارات الأمريكية في سوريا، وفرض حظر على استيراد النفط السوري. مع هذه الإجراءات، تم قطع العلاقات الاقتصادية الرسمية بين البلدين تقريباً.

ثم في عام 2012، تم إضافة المزيد من الأوامر التنفيذية التي استهدفت أفراد وكيانات معينة، بسبب تورطهم في انتهاكات حقوق الإنسان. وبذلك أصبح الحظر الاقتصادي على سوريا أكثر شمولاً.

قانون قيصر 2020_2025

في عام 2020 دخل “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” حيز التنفيذ بعد توقيع الرئيس ترامب عليه في أواخر 2019. شكل هذا القانون تحول كبير في سياسة العقوبات، حيث لم تقتصر العقوبات على النظام السوري فقط، بل امتدت لتشمل كيانات وأفراد أجانب يدعمون النظام عسكرياً أو يشاركون في جهود إعادة الإعمار.

أدى “قانون قيصر” إلى حالة من القلق والخوف بين الشركات والمؤسسات الدولية، التي بدأت تتجنب أي تعامل تجاري مع سوريا، خوفاً من التعرض للعقوبات الأمريكية. هذا الأمر ساهم في تعزيز عزلة سوريا الاقتصادية على المستوى الدولي بشكل أكبر.

لكن في خطوة مفاجئة بعد سقوط النظام السابق في 13 أيار 2025، خلال قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض، أعلن الرئيس ترامب عن نيته في “وقف العقوبات المفروضة على سوريا” بهدف منحها فرصة للتقدم، مشيراً إلى أن تلك العقوبات كانت صعبة جداً.

الفرق بين العقوبات الدولية والأمريكية

تستند العقوبات الدولية إلى ميثاق الأمم المتحدة، وبالتحديد المادتين 39 و41 اللتين تحددان الإطار القانوني الذي يُمكن لمجلس الأمن الدولي أن يستخدمه لفرض عقوبات اقتصادية على دول معينة. فبحسب المادة 39، يقرر مجلس الأمن ما إذا كان هناك تهديد للسلم أو إخلال به، أو إذا كان هناك عمل من أعمال العدوان، ويقدم توصياته أو يتخذ التدابير اللازمة لحفظ أو إعادة السلم والأمن الدولي.

أما المادة 41 فتسمح لمجلس الأمن باتخاذ تدابير غير عسكرية، مثل فرض حظر اقتصادي أو قطع العلاقات الدبلوماسية، دون الحاجة لاستخدام القوة المسلحة. تشمل هذه التدابير وقف الاتصالات الاقتصادية، الجوية، البحرية، وغيرها من وسائل المواصلات.

على النقيض العقوبات الأمريكية تفرضها الولايات المتحدة بشكل منفرد على دول أو كيانات أو أفراد دون الرجوع إلى أي إطار دولي. ورغم أن هذه العقوبات تتم على مستوى الدولة الأمريكية فقط، إلا أن تأثيرها يكون كبير، حيث تلزم معظم الدول بتطبيقها بسبب حجم السوق الأمريكية وأهميته الاقتصادية. فالعديد من الدول التي لها مصالح اقتصادية وتجارية مع الولايات المتحدة تجد نفسها مضطرة للامتثال لهذه العقوبات، خشية أن تواجه مشاكل اقتصادية كبيرة إذا تمردت عليها.

وبذلك نستنتج أنه لطالما كانت العقوبات الاقتصادية الأمريكية أداة للضغط على الأنظمة والدول، والعصا التي تلوح بها للدول التي لا تتناسب مع سياستها. وعلى الرغم من فوائدها في بعض الحالات، إلا أنه غالباً ما يدفع ثمنها الشعوب.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأميركية على سوريا: انفتاحٌ مشروط أم ضغطٌ مستمر؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.