مال و أعمال

تربية النحل في اللاذقية ثروة طبيعية تعصف فيها التحديات

تربية النحل في اللاذقية ثروة طبيعية تعصف فيها التحديات

بقلم: ريم رّيا

قطاع تربية النحل من القطاعات المهمة في عموم سوريا، وفي محافظة اللاذقية يعتبر قطاع تربية النحل أحد المكونات الحيوية للقطاع الزراعي في الساحل السوري. يتمتع قطاع تربية النحل بأهمية اقتصادية وبيئية كبيرة. فاللاذقية تحتوي على تنوع نباتي ومناخ معتدل، ما يوفر بيئة مثالية لتربية النحل وإنتاج أنواع متعددة منه، أبرز تلك الأنواع: الحمضيات، الجبلي، الزهور البرية.

تطوير هذا القطاع لا يعني فقط تحسين إنتاج العسل، بل له انعكاس على زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية من خلال عملية التلقيح، ما يجعل من تربية النحل ركيزة أساسية للتوازن البيئي والاقتصادي في المحافظة. هناك تحسينات أخيرة في هذا القطاع إضافةً لوجود التحديات. هذا ما سنعرضه في المقال.

 قطاع النحل في عموم سوريا

عدد طوائف النحل (سلالات)  في سوريا وفق إحصائيات وزارة الزراعة الأخيرة لعام 2024، نحو (532545)، فيما بلغ إنتاج العسل السنوي (3518) طناً، والشمع البلدي (161) طناً، ما يعكس النمو المتواصل لهذا القطاع كرافد مهم لتنمية المجتمعات الريفية، وكضرورة للحفاظ على التنوع البيولوجي والتوازن البيئي.

هناك سلسلة قرارات تنظم عمل القطاع في البلاد،  الهدف من سلسلة القرارات هذه، تأطير هذا القطاع وتطويره، مثل القرار رقم 86 لعام 2004 الخاص بتنظيم مهنة تربية النحل، ورقم 122 لعام 2022 المتعلق باستيراد وتصدير النحل ومنتجات الخلية، إضافةً إلى القرارات ذات الأرقام (43 – 44 – 45 – 46 – 47) لعام 2003 الخاصة بتشخيص آفات النحل والوقاية منها ومكافحتها.

كما تعمد مديرية تربية النحل منذ تأسيسها عام 1988، إلى وضع برامج ومبادرات لنشر التقانات الحديثة والارتقاء بالكفاءة الإنتاجية وتحسين الجودة، أبرزها تحسين سلالة النحلة البلدية المعروفة بقدرتها العالية على مقاومة الأمراض والتكيف مع البيئة، وتطوير البنى التحتية لمراكز التربية في المحافظات، وتنظيم وتنمية المراعي النحلية ودعم صناعة النحل وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الخدمات الإرشادية والبحث العلمي.

مهنة تربية النحل من أقدم المهن الزراعية التي عرفها الإنسان، ترتبط بعملية الإنتاج الغذائي وتنعكس على الإنتاج الدوائي على حد سواء، والعسل وكل منتجات الخلية يصنفون كغذاء وصيدلية طبيعية، بينما يشكل النحل نفسه أهم الملقحات التي تسهم في الحفاظ على التنوع الحيوي وزيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية عالمياً.

اقرأ أيضاً: النحل السوري بين نار الحرائق وشبه انعدام الإنتاج

حال قطاع تربية النحل في محافظة اللاذقية

تأثرت محافظة اللاذقية بتراجع إنتاج العسل في عموم سوريا، إذ وصلت نسبة التراجع إلى 75% في سوريا هذا العام، في حين سُجلت نسب مماثلة في بلدان عربية أخرى مثل المغرب ولبنان وتونس والعراق. بلغ إنتاج العسل في سوريا إلى ما بين 1000 و1500 طن، خلال العام الحالي، مقارنةً بـ 3500 إلى 4000 طن قبل عام 2011.

بلغ عدد خلايا النحل المسجلة في عام 2024، الخلايا الحديثة 111484 خلية، والخلايا القديمة البلدية 28 خلية. لكن المحزن أن عدد هذه الخلايا انخفض بعد الحرائق الأخيرة في الريف الشمالي للمحافظة، حيث يوجد أضرار في المناحل الموجودة في المناطق التي طالتها الحرائق، ولا يمكن حالياً تقدير الخسائر، لأن اللجنة المختصة التي شكلت من قبل مديرية زراعة اللاذقية ما زالت تحصي الأضرار فالحرائق كانت كبيرة وهائلة.

الوضع الحالي لقطاع تربية النحل في محافظة اللاذقية وصف بأنه الأسوأ على الإطلاق في السنوات الأخيرة، بفعل العديد من العوامل منها، الحرارة المرتفعة، والصقيع الذي ضرب الحمضيات المرتكز الأساسي لنحل الساحل، والرياح الشديدة التي هبّت فجأة، والعامل المؤثر والحاسم كان انحباس الأمطار وعدم انتظامها، ما انعكس على تربية النحل وأدى إلى تدني إنتاج العسل إلى ما دون النصف مقارنة بالمواسم السابقة.
بعض المربين أشاروا  إلى أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من العسل بلغت نحو 300 ألف ليرة سورية، وهو تقريباً نفس سعر البيع لأجود أنواع العسل، فيما تباع الأنواع الأخرى بسعر يتراوح بين 100 و200 ألف ليرة، ما يعني أن المربي خسر موسمه مرتين، أولاً من حيث الإنتاج، وثانياً من حيث التسويق، نظراً لوجود عسل أجنبي منافس بأسعار أقل.

في سياق متصل، أوضح رئيس شعبة النحل والحرير في مديرية زراعة اللاذقية المهندس سمير شقير، في تصريح له لأحد الوسائل الإعلامية: “ أن الظروف الجوية التي سادت المحافظة وسوريا بشكل عام، من جفاف وتغير مناخي، أدت إلى تدهور وضع النحل بعد نشاطه واستهلاك المخزون لديه وانتشار بعض الأمراض“. وأضاف شقير: موسم إزهار الحمضيات كان ضعيفاً جداً، وكذلك أزهار الربيع تأثرت سلباً بسبب قلة الأمطار، ما أدى إلى انخفاض إنتاج العسل بشكل كبير جداً.

لكن الحرائق هي أكثر ما زاد (الطين بله) وصعّب الموسم على المربين بعد أن التقطوا أنفاسهم واستعاد القطاع 80% من نشاطه. أفاد المربون أنهم ومع تحسن ظروف التنقل بعد تحسن الظروف الأمنية، جاءت الحرائق واجتاحت ريف اللاذقية الشمالي مكان تركز تربية النحل في المحافظة، ما زاد من سوء الأوضاع. إلى جانب دخول العسل الأجنبي المنافس بطرق غير قانونية وبأسعار لا تتناسب مع تكلفة الإنتاج المحلي، فازداد الوضع سوء، وأدى ذلك إلى انخفاض الطلب على العسل السوري رغم جودته، وإلى تكدس الكميات المنتجة مع الكمية المنتجة العام الماضي المركونة في مستودعات النحالين بانتظار تسويقها، ما يجعل معظم المربين في حالة خسارة مؤكدة.

اقرأ أيضاً: هل يتعافى قطاع النحل في سوريا بعد سنوات من الركود؟

التحسينات الموعودة لقطاع النحل في اللاذقية

أطلقت مديرية الزراعة في اللاذقية خطة جديدة تهدف إلى تطوير قطاع تربية النحل ورفع إنتاج العسل المحلي، ضمن برنامج يهدف إلى دعم المربين وتحسين جودة المنتجات العسلية في المحافظة. وتتركز الخطة، وفق ما أوضح المهندس سمير شقير، على تنفيذ سلسلة من الإجراءات الميدانية والفنية تشمل تقديم الإرشاد والتدريب للنحالين، إضافةً إلى متابعة أوضاع المناحل، فضلاً عن تزويد المربين بالمعلومات العلمية الحديثة حول طرق العناية بالخلايا ومكافحة الأمراض التي تصيب النحل.

في سياق متصل، لدعم هذه الخطة تعمل كوادر المديرية تعمل بشكل مستمر على متابعة النحالين ميدانياً ومكتبياً، من خلال فريق متخصص من المهندسين والخبراء، لتقديم حلول عملية للمشكلات التي تواجه المربين.

كما نفذت المديرية خلال الفترة الماضية ضمن إطار رفع كفاءة الإنتاج، نشاطات توعوية الهدف منها نقل أحدث التقنيات المستخدمة في تربية النحل من مراكز الأبحاث والجامعات إلى الميدان العملي، ما يتيح للنحالين اعتماد أساليب حديثة تساعد في زيادة إنتاجية الخلايا وتحسين نوعية العسل المنتج.

بدورها شعبة النحل في المحافظة أولت اهتماماً خاصاً بموسم الشتاء، نظراً لما يواجهه المربون خلاله من تحديات تتعلق “بتشتية” النحل وانخفاض درجات الحرارة، فقدمت الشعبة إرشادات فنية من أجل ضمان بقاء الخلايا في ظروف ملائمة، ومنح أذونات ترحيل للنحالين الراغبين في نقل خلاياهم إلى مناطق أكثر دفئاً، الأمر الذي من الممكن أن يسهم في تقليل الخسائر الموسمية.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.