مشاهير

كهرباء مشحونة في إدلب.. ماذا لو عممت على باقي سوريا؟

كهرباء مشحونة في إدلب.. ماذا لو عممت على باقي سوريا؟

بقلم: ريم ريّا

في ظل الارتفاع الأخير المثير للجدل لتعرفة الكهرباء في سوريا، والثقل المضاف على كاهل المواطن تبعاً لذلك. فعلى مدى الأسبوع الحالي وبمحاولات للإنقاذ أو ربما للاستفاقة من صدمة التعرفة الجديدة، طُرحت العديد من الحلول لتخفيض التعرفة وقدمت مقترحات لتخفيف ثقل أسعار الكهرباء الباهظة عن المواطن. لتطل على الواجهة “تجربة إدلب” في الكهرباء، في سابقة لافتة على مستوى الخدمات العامة في سوريا، إذ بدأت محافظة إدلب بتجربة جديدة في السنوات الماضية تقوم على شحن الكهرباء بشكل مسبق الدفع، ما يتيح للمواطنين التحكم باستهلاكهم للطاقة ودفع الفواتير بطريقة رقمية.

مع تزايد التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة، هل يمكن أن تكون هذه التجربة أحد الحلول المرنة لإدارة الكهرباء؟ وهل من المعقول أن يعيش بلد كامل على شحن الكهرباء بكميات محددة! ليبقى السؤال الأوسع: هل تعمم تجربة إدلب في شحن الكهرباء  على باقي المحافظات السورية، وما الجدوى منها؟ في هذا المقال سنناقش “تجربة إدلب” في شحن الكهرباء، ومدى جدوى تعمميها على باقي البلاد، إضافةً إلى مناقشة مدى قدرة سوريا على إنتاج الكهرباء ضمن نطاق محدود تبعاً للظروف الاقتصادية الحالية، وهل توجد بدائل كبواخر الكهرباء في لبنان؟

تعريف بتجربة إدلب في شحن الكهرباء

أُسست شركة “GREEN ENERGY” لإنشاء واستثمار مشاريع الطاقة الكهربائية بأشكالها كافة، في عام 2014، بمحافظة حلب باسم “GE POWER”، وفي عام 2019، اندمجت مع شركة “GREEN FUTUER” للاستثمار تحت اسم “GREEN ENERGY”. ولا توجد الشركة في ريف حلب الشمالي أو الشرقي، حيث تتغذى تلك المناطق من قبل شركتين، هما “AK ENERGY” و”STE ENERGY”.

تتلخص أعمال الشركة بثلاثة أنشطة رئيسة هي: إنشاء وتنفيذ مشاريع الطاقة الكهربائية، وصيانة البنى التحتية للشبكات والمحطات الكهربائية، واستثمار وتوزيع الطاقة الكهربائية، وعملت تركيا خلال السنوات الماضية على إيصال خدمات حيوية وإقامة مشاريع استثمارية، خاصة في ريف حلب الشمالي، أبرزها الكهرباء، عبر شركات خاصة تدخل باستثماراتها في المنطقة، مستفيدة من التسهيلات الحكومية في حكومة الإنقاذ آنذاك.

تقوم الآلية على شراء المواطن ساعة كهرباء جديدة (عدّاد مسبق الدفع)، إذ يوجد نوعان من العدّادات، أحادية الطور وثلاثية الطور، ليقوم بعدها سكان إدلب بشحن الكهرباء بالكميات التي يحتاجون إليها.

اقرأ أيضاً: رفع الكهرباء جائر.. ما المقترح الذي قدمته لجان المزة؟!

المزايا والسلبيات المرصودة عند الكهرباء مسبقة الدفع

عند مراجعة عمل الشركة المشغلة للكهرباء في إدلب “GREEN ENERGY”، اطلعنا على المميزات والسلبيات، وما نقدمه سيكون استناداً إلى تقارير إعلامية وتحليلات ميدانية وواقع حال من لسان المواطنين، علماً أنّه ربما تختلف وتتباين الآراء من منطقة إلى أخرى في المحافظة.

  • من مميزات الكهرباء مسبقة الدفع

  1. تحسن كبير في التغطية الكهربائية، فقبل تشغيلها كانت ساعات الكهرباء في المحافظة محدودة جداً، وكانت تعاني من الانقطاع، فعند عام 2021 عندما أعلنت الشركة عن نيتها تزويد إدلب بالطاقة عبر خطوط إمداد من تركيا، بلغت التغطية الكهربائية في بعض المناطق 24 ساعة وصل.
  2. بديل عن المولدات الخاصة المكلفة، حيث كانت تدفع المصانع والمتاجر مبالغ باهظة لتشغيل المولدات، ودخول الشركة على الخط أرسى استقراراً نسبياً في التشغيل الكهربائي، مما انعكس على الخدمات والنشاط الاقتصادي.
  3. النية في تطوير الخدمات أكثر، إذ قامت الشركة باستثمارات في شبكات التوزيع، محطات التحويل، صيانة البنى التحتية للكهرباء، وتم نقل خطوط رئيسية من تركيا إلى إدلب.
  • العيوب والمشكلات

  1. الشركة تتحكم بالأسعار، فقد استاء الأهالي كثيراً من رفع الأسعار، ففي عام 2022 ارتفع سعر الكيلو واط المنزلي إلى ما يقارب ليرتين تركية في بعض المناطق، ليعود ويرتفع في عام 2024 فارتفعت الأسعار من قبل شركات الشمال، إلى ما يعادل خمس ليرات تركية. ما جعل الأسر ذات الدخل المحدود تواجه عبئاً إضافياً.
  2. شركة “GREEN ENERGY” باتت المزود الوحيد تقريباً، ما يفتح باب الاحتكار ويؤثر على حرية وخيارات  المستهلكين.
  3. رغم التغذية المستمرة، لكن الخدمة ليست دائماً مستقرة بلا انقطاع، فبين الحين والآخر تقل ساعات التغذية، أو تؤخر الأعطال والظروف التشغيلية التوزيع.
  4. الربط مع تركيا ميزة، لكنه في نفس الوقت يجعل الخدمة عرضة للانهيار في حال تدهورت العلاقات بين البلدين، من ناحية الوقود تتأثر أيضاً فالوقود الذي يشغلها  كله من تركيا، والشبكة تركية ما يضع الخدمة أحياناً تحت ضغوط جيوسياسية. إلى جانب إشارة بعض التقارير إلى أن بعض الاشتراكات والتمديدات الأولية كانت تكاليفها مرتفعة على المواطنين.

مدى جدوى تعميم التجربة على مختلف سوريا

لنناقش بعض النقاط الجوهرية التي تصب في معيشة المواطن بشكل مباشر (التكلفة، القدرة التحميلة للمواطن، البنى التحتية وقدرتها على احتمال زيادة ساعات الوصل وغيرها)، وبناءً عليه تتحدد جدوى تعميم التجربة من عدمه.

صحيح أن هذه التجربة تقدم نموذجاً يفرض سوقاً محلية منظمة لتزويد الكهرباء، وحسنت من ساعات الوصل في مناطق معينة، لكن لم تنهِ ظاهرة التشغيل بالمولدات، ما يعني أن العديد من المواطنين لا يمكنهم تحمل كلفتها، كما أن هذا النموذج من شحن الكهرباء المسبقة الدفع قائم على عقود واستيراد أو نقل طاقة وخدمات توزيع خاصة، يمكن لها أن تتحكم بحياة المواطنين في حال لم تتم إدارتها كما يجب. فهناك أسباب منطقية وموضوعية قابلة للقياس تمنع تعميم هذا النموذج على عموم سوريا وهي على الشكل التالي:

  • التكلفة وقدرة المواطن على التحمل

أي ارتفاع أسعار التعرفة المقدمة من هذه الشركة يعني ارهاق المواطن السوري لدرجة يرثى لها، أو حتى بقاء التكلفة بسعرها الحالي سيرهق المواطن نسبة لمتوسط الدخل في سوريا. فإذا أردنا تعميم نموذج إدلب وسواء دفع المقابل بالليرة التركية أو الدولار أو الليرة السورية، فستكون الفاتورة الشهرية لأسرة متوسطة الاستهلاك كبيرة جداً حتى لوكان استهلاكها 230 كيلو واط في الدورة/الشهر.

حالياً يعيش معظم السوريين تحت خط الفقر حسب تقارير أممية في ظل ازدياد الاعتمادات على المساعدات الإنسانية، لهذا فأي حل يحمّل المواطن عبئاً مالياً جديداً سيكون كارثياً عليه، فضلاً عن أسعار تركيب العدادات والإمدادات.

  • البنية التحتية شبه المتهالكة

البنية التحتية في سوريا متباينة في الجودة ومتضررة بدرجات متفاوتة، فأجزاء كبيرة من الشبكة العامة قد تضررت بشكل كبير نتيجة سنوات الصراع، إلى جانب أن تكلفة إعادة الإعمار باهظة جداً، وما نجح في مشروع خاص محدود بمنطقة معينة، من الصعب تطبيقه على عموم البلاد، فالمناطق الأخرى في سوريا تفتقر إلى شبكات التوزيع أو محطات التوليد السليمة، وتعميم هكذا نموذج يتطلب استثمارات ضخمة في التوزيع والتركيب وإصلاح الشبكات.

  • سلسلة الإمداد الخارجية

النموذج في إدلب اعتمد جزئياً على توريدات وخطوط مرتبطة بتركيا، في حال نسخ هذا النموذج إلى باقي المناطق كيف ستتغذى المنطقة الداخلية والجنوبية؟ هل هذا يعني إبرام المزيد من الاتفاقيات الدولية أو اتفاقيات النقل والوقود، من يضمن عدم استخدام هكذا اتفاقيات للضغط وفقاً لاعتبارات سياسية وحتى أمنية.

  • شبح الاحتكار حاضر

في حال تم تعميم تجربة كهرباء إدلب على باقي المناطق، بلا آليات رقابية، أو حد أدنى لحماية مستهلكي الطاقة، نتيجة واحدة سنصل إليها “الاحتكار المحلي”، ورفع الأسعار وفق الأهواء، أو قطع الخدمة والمتضرر الوحيد المجتمع الأشد فقراً. فبذلك ننتقل من فشل في الخدمة العامة إلى سيطرة سوقية خاصة تعمق عدم المساواة في التوزيع، فمن إدلب نفسها أفادت تقارير صحفية بأن الشكاوى والاحتجاجات تتصاعد عند رفع الأسعار، إلى جانب التحكم في الخدمة والاحتكار لدى مزود واحد.

اقرأ أيضاً: تبرير رفع سعر الكهرباء بالتكاليف: نكتة سمجة في قاموس الفشل الحكومي

ما بدائل سوريا عن الشحن ورفع الأسعار

البديل الأول والأكثر صواباً كونه من مقدرات الدولة السورية، حقول النفط والغاز. ففي حال عادت تلك الحقول إلى سلطة الدولة السورية بالكامل وقامت بإدارتها فإن باب تحسين الإنتاج المحلي سيفتح، ويخف الضغط على فاتورة الكهرباء التي باتت كابوساً للمواطنين.

فامتلاك موارد نفطية وغازية محلية يعني أن الحكومة قادرة على تشغيل محطات الكهرباء في البلاد باستخدام الوقود المحلي، ما يقلل من الاعتماد على الاستيراد أو على حلول خاصة مكلفة كتجربة الشحن في إدلب أو المولدات. في حال تحقق هذا السيناريو فسيتيح الحفاظ على أسعار أقل نسبياً للمستهلك، خصوصاً في حال تم ربط إنتاج الكهرباء بكفاءة المحطات وتوزيع الوقود بشكل متساوي وعادل.

أما عن البدائل الحالية، فهي محدودة ومحصورة بالمولدات الخاصة، وبالطاقة الشمسية المكلفة كذلك على الرغم من وجود قروض داعمة لها وقد تحدثنا عن تكلفتها على المواطن في مقال كامل “بين التقنين والدَّين.. جدوى قروض الطاقة الشمسية في سوريا“.  ويمكن لها الاستفادة من تجارب جيرانها رغم عدم نجاحها بالشكل المطلوب، كما هو حال لبنان، عبر استخدام بواخر توليد الكهرباء. مثل هذا الحل ممكن تقنياً لكنه يتطلب ميزانية كبيرة للتشغيل والصيانة واستيراد الوقود، فهو غير ناجح كبديل مستدام على المدى الطويل.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.